سياسة وتاريخ

كانوا على شفير الهلاك.. العرب «غرفة الإنعاش» لليهود والمنقذ من الإبادة

كان وضع المسيحيين في أوروبا حرجاً جداً مع بداية العصور الوسطى، أي قبل سقوط روما والتي كان عداؤها شديداً للمسيحية، فقد كان يُشاع من قِبل الرومان أن المسيحيين يقتلون الأطفال، فقام الإمبراطور الروماني “نيرون” بإعدام القديس “بطرس” صلباً، كما أمر بقطع رأس القديس “بولس” عام 67م، واتهمهم بإحراق روما لتبرير قتله لهم. وفي عام 313م حدث تحول نوعي في مكانة المسيحية بعد اعتناق قسطنطين الأول للدين المسيحي، فازداد انتشاراً وأصبحت المسيحية ديانة الشعوب الأوروبية، وبدأ عصر الفرسان والمغامرات الحربية، واشتدت صيحات الحروب الصليبية إلى الانتقام للمسيح والمسيحية من المجتمع اليهودي قبل أن يغادروا القارة الأوروبية.

اتهم المسيحيون اليهود بصلب المسيح، وتسميم الآبار، وقتل الأطفال المسيحيين، ذات التهمة التي كانت ملتصقة بالمسيحيين سابقاً، وسيطرة اليهود على التجارة، وإقراض المال للفلاحين الفقراء في أوروبا بالربا، والذين كانوا يشكلون غالبية السكان وكانوا ينظرون لليهود على أنهم “طفيليون”.

وكانت الدول التي يكثر فيها عدد سكان المجتمع اليهودي هي أكثر شدةً بالتنكيل والبطش بهم، لتميزهم بالطابع الثقافي اليهودي والعادات والطقوس الدينية فجعلتهم هدفاً ظاهراً بعكس الدول التي كان اليهود بها أقلية فلم تبدُ عليهم المظاهر أو تثير ضدهم أغلبية السكان الأوروبيين.

بلغ الصدام الدموي أوّجه في أوروبا بين أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية إبان الحروب الصليبية؛ فكانت إسبانيا من البلاد التي يكثر فيها عدد اليهود على مدى خمسة عشر قرناً، فقد عانوا من الاضطهاد والطرد من إسبانيا لمن تمسك باليهودية إلا إذا تنصر للمسيحية، فحرق الأسبان اليهود الهراطقة على السفود الذين تظاهروا بالتنصر وأبقوا على دين اليهودية ومارسوا شعائرهم خلسة، وفي نهاية الأمر طُرد اليهود من إسبانيا بمرسوم عام 1492م، ففروا باتجاه الدول العربية خوفاً من قسوة محاكم التفتيش.

وفي فرنسا إبان الثورة الفرنسية عام 1789م، أصدرت الجمعية الوطنية الفرنسية في عام 1791م، قانوناً يساوي بين السكان الفرنسيين في حقوق المواطنة، وقد شمل هذا القانون المجتمع اليهودي في فرنسا والمناطق الأوروبية الخاضعة لها، وفي عام 1807م عُقد في باريس المجلس اليهودي الأعلى “السنحدريم” بطلب من نابليون بونابرت بتأسيس هيئة تمثلهم ومساواتهم بالحقوق والواجبات مع المواطنين الفرنسيين، وصدرت عن “السنحدريم” أنهم “لم يعودوا يشكلون أمة”، وأنهم تخلوا عن مشروع الهجرة الجماعية إلى فلسطين للأبد، وكفوا عن الإشارة بالعودة إلى صهيون في صلاتهم التزاماً بقرارات “السنحدريم”.

أما يهود روسيا القيصرية -آنذاك- وعددهم خمسة ملايين نسمة يقيمون كجالية مضطهدة ومنعزلة لهم خصائصهم الثقافية وشعائرهم الدينية ويتحدثون “باليديش”، فدفعهم الاضطهاد لتكون ثلاثة اتجاهات، فهاجر الاتجاه الأول إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، والاتجاه الثاني تكونت منه الحركة الصهيونية وبدأت بالهجرة إلى فلسطين عن طريق النوادي وجمعية “أحباء صهيون”، أما الاتجاه الثالث فقد فضل البقاء في روسيا القيصرية وتشكيل منظمات سرية لقلب نظام الحكم القيصري، ودعم الثورة البلشفية بالمال إلى أن أُسقط الحكم القيصري لروسيا، فتولى الشيوعيون اليهود أخطر المناصب القيادية في النظام البلشفي الجديد عام 1917م، فقاموا بعمليات إبادة واعتقال في المنافي للملايين من المسيحيين الروس.

خلاصة القول: تميز الحضور اليهودي في التاريخ بالعنف والوحشية سواءً انتصر اليهود أم هُزموا، منذ غزو أرض كنعان وما فعلوه بأهلها، فغزاهم الآشوريون والبابليون والرومان فعانوا من الهزائم والتشرد على أيدي الأمم الوثنية وأصحاب الديانة المسيحية في إسبانيا وألمانيا وروسيا القيصرية، إلى أن جاء دور العرب ليكونوا بمثابة غرفة الإنعاش لوجود المجتمع اليهودي في العالم كلما كان هذا الوجود على شفير الهلاك والمحو.

فيقول مؤلف الموسوعة اليهودية “انسيكلو بيديا جودايكا” أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قد سمح لليهود بالمجيء إلى القدس بعد الفتح الإسلامي لفلسطين عام 636م، وتزعم الموسوعة اليهودية، أن اليهود هم من لقبوا عمر بن الخطاب بـ”الفاروق”، أما الكاتب الأمريكي “ماكس ديمونت” يقول: “لقد تهيأت لليهود في إسبانيا الفرصة ليتمتعوا على مدى خمسة قرون من حكم العرب المسلمين بمكانة علمية ومالية وسياسية سامية”، ويقول الكاتب الأمريكي اليهودي “هوارد فاست”: “تحت حكم العرب بدأ العصر الذهبي لليهود في إسبانيا”، ويشيد الكاتب الأمريكي “هوارد ساكر”، بالسلطان صلاح الدين الأيوبي الذي قضى على الممالك الصليبية في فلسطين، ويقول: “إنه تحت الحكم الإسلامي المتسامح بدأت أفواج الحجاج اليهود تتدفق على فلسطين من شمال أفريقيا ومن إسبانيا بالذات”، وبذلك كلما تعرض اليهود للإبادة أو دفعتهم القسوة إلى الانتحار كان موقف العرب أكثر تسامحاً وإكراماً معهم.

اقرأ أيضاً: المحرقة اليهودية.. من وسيلة للابتزاز إلى أداة للسيطرة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ahmed elyacoubi

أستاذ التاريخ السياسي والحضارة

تعليق واحد

  1. بالفعل.. من يقرأ تاريخ اليهود عبر العصور يجد أن العرب كانوا بمثابة “طوق النجاة” لهم من الاضطهاد والقتل والإبادة.
    مقال أكثر من رائع دكتورنا الفاضل استمر👍🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق