مدونات

كاريزما القيادة

عاصرته كأحد مرؤوسيه في فترة عمل محددة في إحدى الجهات السيادية، قائداً افتُتنت به أيما افتتان، حازماً يغلف قراراته الصارمة بغلاف إنساني يجعلك تنفذ أوامره بأريحية وحب، دون ضجر.

مثقفٌ، طموحٌ، ورعٌ، عف اللسان، بارعٌ في التعبير عن أفكاره وانتقاء كلماته، ويمتلك ملكة التعامل مع المكون النفسي لمرؤوسيه.

ربما يكون الشخصية القيادية الأولى التي أثْرت خيالي ثراءً كبيراً، بل كنت اتقمص مردود أفعاله وطريقة حله للمشاكل، كنت على قناعة تامة أنه ربما أكفأ شخصية على مستوى جهازه السيادي، فقد جمع شتات الوحدة المنفلته التي ترأس قيادتها في أيام قلائل، وأعادها من حالة التفكك إلى حالة انضباط مثالية يتحاكى عنها الجميع بحنكة وحكمة وحب.

وكنت أرى أنه من العدالة أن يتبوأ أعلى منصب في تلك الجهة التي ننتمي إليها، فقد كان بالفعل قائداً نموذجياً، قادراً على تفجير الطاقات الإبداعية لدى مرؤوسيه بصورة فذه.

وقد تابعت مساره المهني بعدما انقضت فترة عملي معه عبر اتصالات ودودة، وتابعت تدرجه السريع ليصل إلى المنزلة الأرفع لدى هذه المؤسسة، استبشرت خيراً وراهنت كثيراً عليه، وبشرت أقراني بعهد قادم من القوة والكرامة واستقرار الأمور.

مضت الأيام والشهور وأنا أنتظر تغييراً مفصليًا يعيد الأمور إلى نصابها، حتى أقيل أو استقال بشكل مباغت دون أن يترك الأثر المرجو منه، واسفرت الهالة التي نسجتها لأقراني على فقاقيع صغيرة.

تعجبت كثيراً أن يمضي بلا بصمات مؤثرة، رغم انعقاد آمال الكثيرين عليه ومطالبات الكثيرين منهم عبر تلميحات أو تصريحات مباشرة بالتحرك وفعل شيء، كنت أعتقد أن هذا الرجل إذا ما اعتلى قيادة هذا الجهاز؛ سوف يغير منظور القيادة، ويبث فيها روحاً جديدة.

لكن يبدو أن لكل فرد محطة من الإبداع قد تكون الظروف مواتية لذلك، قد يبدع في بيئة ويفشل في أخرى، ويبدع في زمن ويخفق في آخر مع امتلاكه نفس المقومات.

هناك من يبدع ولكن ضمن إطار منظومة لا تجعل منه الرجل الأول، فإذا تعرى ظهره، وأصبح الرجل الأول بلا مرجعية يلجأ إليها وسياج يعمل من خلاله؛ انكشف وفشل.

ينجح وهو يستقي أفكاره من ملهمات البيئة والطاعة العمياء لرؤسائه، والتنفيذ الحرفي للتعليمات، فإذا ما انكشف الغطاء وأصبح هو صاحب التعليمات العليا تراه تردد وتلعثم وتعثرت خطواته.

وهناك من لا تظهر مقومات شخصيته إلا إذا أصبح الرجل الأول، ويختنق وهو يحاول تكسير جدر العقم الفكري حوله، ويحمل سلة التطوير بين ذراعيه، فيصطدم بكل انتهازي ومتنطع، وربما ينطفئ ويُلفظ خارج المنظومة برمتها، أو يغادرها إلى مآل آخر.

يُخيل إليّ أن القادة في نطاق كبير لا ينفذون غير الأفكار السائدة في ذهن العصر، ربما ينطبق هذا بعد النكسة، والحشد التعبوي والجماهير الموجوعة، ورغبة الثأر، ومداواة الانكسار الذي لحق بالأمة، كان كل شيء مجهزاً ونافذاً نحو هدف يحلق في آفاق المجتمع كله، بشكل يكاد يجبر القائد نحو اتخاذ القرار الحاسم، فإذا تلاقى فوران الحس الجماهيري مع إرادة القائد البارع؛ أنتج عملاً فذاً.

وقد يصعد الحس الشعبي بقائد متواضع في الصفات القيادية إلى مرتبة أعلى لا يستحقها؛ لكونه تواجد مصادفة في تلك الحقبة، وكم من الرجال ساقهم التاريخ مصادفة ليصبحوا زعماء، وخلدهم رغم ضآلة إمكاناتهم وضحالة فكرهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى