سياسة وتاريخ
أحدث المقالات

كابوس الثلج والسلطة

يتفنّن أصحاب الكراسي في اعتماد كل الأساليب والوسائل الكفيلة للمحافظة على مركزهم ومكانتهم الاجتماعية ومنصبهم السياسي ولو بتبنّي عمليات القتل المأجورة وبثّ الإشاعة والخوف وتشريد الشعب وإخماد ثوراتهم والركوب عليها واستبدالها بمتابعة المدونين وأصحاب القرطاس والقلم والبطش بهم.

إضافة إلى تجويع الشعب وتركيعه عبر مسّه في لقمة عيشه وتحديد موارده وخاصة التحكّم في السوق باعتماد غلاء الأسعار وتشجيع الاحتكار وسياسة التقطير في توزيع المنتوج رغم وفرته،  حتى يصبح المواطن همّه الوحيد هو تحصيل لقمة العيش والتفكير اليومي في توفير قوته وقوت عياله.

إنّ حياة المواطن العادي مطحونة بمطرقة الحكّام تمارس معهم  وظيفة القمع والإرهاب ولا تتوارى المنظومة وعجلة التعليمات والأوامر في نزع اللّجام عن الجلّاد حتى يفعل ما يريد من مطاردة واعتقالات و اعتداءات جنسية وعنف مادي ومعنوي وقتل باستعمال أنواع الأسلحة المدّخرة عادة للعدوّ الأجنبي لتقضي على أبناء الشعب الواحد وتزرع الضحايا و الأيتام  والأرامل والمرضى  .

سنوات من التآمر تمارسها السلطة في ملاحقة وطن وتدميره والسير به نحو الخراب. سنوات من الدسائس والمؤامرات التي يعيشها الشعب السوري من القريب والبعيد قصد جعله تابعا وخاضعا لحكومات أخرى متسترة تحت غطاء المساعدة أو الحماية قصد الحوز ووضع اليد.

يأتي الشتاء حزينا و مخيفا إلى العائلات الفارة من بطش السلطة والموت مصحوبا بكابوس الثلج نقمة تتعثّر في بياضه مساكن اللاجئين المصنوعة من الورق ذات الجدران والأسقف المبلّلة بأكوام الماء الأبيض دون أن يكون لها تصنيف رسمي في سلّم المساكن.

8 سنوات من المعاناة والألم تسكن الحدود السورية ومخيّمات العجز والمرض في لبنان والأردن وتركيا، أوضاع كارثية أبسط ما يقال فيها أنّها مهينة ووصمة عار في حق الإنسانية وفي حق شعوب عربية  لا تسمع ولا ترى  وحكومات تبذّر الملايين على استجلاب فنّانة تتعرّى لتنعش ذاكرة النخبة والساسة. أيّام من القهر والظلم  يتوسّد فيها جميع النازحين الجوع والبرد والخوف من الموت و أيادي الأطفال والشيوخ مدمدمة بالصقيع والأصابع تتحرّك بصعوبة كأنها خشبة ملصقة بالغراء والمسامير في غياب وسائل التدفئة و الغطاء الصوفي الضروري لمجابهة هذا البرد الشديد ولقمة غنيّة بالحريريات الضرورية التي تعيد للجسم استقامته وصلابته .

الثلوج تغطّي الفواصل والنقاط التي تفصل المأوى عن المأوى الآخر وتعمّر الطرقات والأراضي الفارغة و تعرض علينا أبشع صورة ومؤامرة يمكن أن تقدمها الطبيعة والسلطة في حق كرامة الإنسان.

ماذا سنفعل لدموع هذا الأب وفلذة كبده يتوجع بقربه و ينام إلى الأبد جائعا دون لباس يحميه؟

أين منظمات الإغاثة والعروبة؟ أين القيم الإنسانية وإعلان حقوق الإنسان؟

أحيانا يفتر هجوم الثلج ويضعف فتتدخل الشّمس بأشعتها الذهبية تريد إزالة تعب البرد والصقيع وبثّ الدفء تعاطفا وشفقة بالتجمعات المنسيّة على الحدود السورية  كأنها رسالة محبّة واطمئنان .

يبتهج المشاهد لمنظر الثلج الأبيض وهو يصارع خيوط الشمس ويزحف منصهرا إلى سيول من الماء من أجل البقاء. تنتصر في النهاية كميات الحرارة المنبعثة فتحوّل اللّون الأبيض للثلج إلى سائل شفّاف وبارد يدخل مخيمات اللّاجئين دون استئذان وتتحوّل معه الأزمة إلى مصيبة حقيقية قد تغرق الصغار وتهلك الكبار. مخيمات أشبه بتجمعات للوجع وللخوف يقطنها سكّان درجتهم تحت الصفر يجمعهم همّ إنقاذ ما يمكن إنقاذه و الهروب من بطش السلطة الشرعية والغير شرعية.

“المعذبون في الأرض” هو العنوان الأصلي لسكان هذه التجمعات على أمل العودة إلى ديارهم للعيش في سلام والحصول على ابسط حقوقهم والظفر بحقّهم في الحياة. لكنّ السلطة والسلطات المحيطة بالشعب السوري تمارس مهنة اللامبالاة والتهميش ومحاولة إثبات الذات والتمسّك بالدفع بالمجتمع السوري نحو الضباب والثلج.

الأكيد الآن أن سكّان المخيمات في حاجة ماسة للمساعدة الفورية والعاجلة وان ما يعيشه المواطن العربي زمن الثورات المهدّدة بالانطفاء يمثّل صورة مصغّرة من معاناة ضحايا تآمر الحكام العرب والطقس.

الأكيد أنّنا اليوم أصابنا الجهل حول صاحب الحق الفعلي في الصراع داخل سوريا بحكم تداخل الأمور السياسية وضبابية المشهد.

في المقابل فإن الحقيقة الوحيدة التي  ندركها هو أنّ  الشعب السوري في حاجة ماسة ليد إغاثة ومساعدة فوريّة سواء من المجتمع الدولي أو المنظمات الناشطة في هذا المجال.

في هذه الأثناء يتسلح سكّان المخيمات بالصبر و الانتظار على ما أصابهم من ابتلاء بالجوع والمرض والبرد .وهو لعمري اختبار وامتحان للصابرين . قال تعالى “وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ”  ( النور43)

الأكيد أننا اليوم سننام كالعادة ونستفيق على خبر أطفال بعمر الزهور يموتون جوعا وبردا في القرن ال 21.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

ابراهيم الشخّاري

كاتب تونسي ورجل قانون يسافر باستمرار بين البحث في الجريمة وبين عشق الطبيعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى