مدونات

قُم للمعلم

طالما نتمثلُ قول شوقي:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا     كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

حينما نريد أن ندلل على قدر المعلم ومكانته، لكننا لم نسأل أنفسنا يوما: مَن المعلم الذي يجدر بنا أن نقوم له احتراما وتبجيلا؟ أهو المعلم الذي يرى التعليم مهنة؟ أم هو المعلم الذي يرى التعليم دروسا تُلقى على مسامع الطلاب؟ أم هو المعلم الذي يرى عمله مجرد ساعاتٍ تُقضى في مدرسته مقابل أجرٍ يتقاضاه؟

لا أعتقد أنَّ هذا المعلم هو الذي عناه شوقي بقوله، إنما المعلم الجدير بالتقدير والاحترام هو ذلك المعلم الذي يؤمن أنَّ التعليم رسالة لا مهنة، وأنَّ المعلم ليس ناقلا لعلم اقتبسه من كتابٍ، بل هو بانٍ ومؤسس، يبني شخصية طالبه، ويؤسسه فكرا وخلقا قبل أن يمنحه علما.

وبناء الفكر المتزن والتنشئة على كريم الصفات لا يمكن أن يتم من خلال دروس تُلقى، بل لا بد له من قدوةٍ يراها الطالب ماثلةً أمامه، فيحذو حذو معلمه ويجتهد في اتباعه وتقليده انبهارا بشخصه، فمهما ملأ المعلم فاه بكلام أجوف عن الخلق والفضيلة ما انتفع طلابه منه بشيء ما لم يرونه مثالا لتلك الفضيلة ومثلا أعلى في النبل وحسن الخلق، ومثلا أعلى في حسن مظهره واهتمامه بنفسه.

إنه ذلك المعلم واسع المعرفة عميقها في مجال تخصصه، فهو على دراية وعلم كافيين بكل ما يتصل بمجال تخصصه، وهو ذلك المعلم قوي الشخصية، ولسنا نعني بقوة الشخصية العنف أو السيطرة، وإنَّما أن يكون متزنا لديه القدرة على ضبط انفعالاته، وأن يتمتع بقدر مناسب من الذكاء وحسن التصرف.

وهو ذاك المعلم الذي يمتلك قدرة على إقامة علاقات اجتماعية وروابط قوية مع المجتمع المدرسي الواسع المتمثل في زملائه وطلابه وأولياء أمورهم، ويعاملهم بحب وتواضع، ويصبر على ما يلاقيه منهم، فلقد اختار طريقا شاقا كثير المتاعب فليصبر إن كان مؤمنا برسالته.

وفوق كل هذا ينبغي للمعلم أن يكون معتزا ومفتخرا بكونه معلما، فلا ينساق خلف ما ينطلق من دعاوى كثيرة في المجتمع يختبئ وراءها من لا يريدون للأمم أن تنهض، فلا يجدون طريقا لهدمها إلا بهدم القدوة، وإفساد التعليم، فينصرفون إلى المعلم يحطون من شأنه ويقللون من قدره؛ حتى يفرَّ منه المخلصون ويعتليه من ليسوا أهله، وإذا ضاع المعلم المخلص ضاع التعليم لا محالة.

ومن هنا كان لزاما على كل مجتمع يريد أن يرسم مستقبله الذي يحلم به أن يختار لهذا المستقبل من يُحقق طموحاته فيه، فإذا كان المجتمع يطمح لأن يكون مسقبله مشرقا فليُعدّ من اليوم النشء، فهم من يصنعون المستقبل، وليس لأحد مهما بلغ القدرة على تشكيل هذا النشء إلا المعلم، فكان إعداد المعلم أو صانع المستقبل ضرورة لا رفاهية.

وبقدر الاهتمام بانتقاء المعلم وحسن إعداده يكون جيل المستقبل، فأيَّ أُمة مهما بلغت من الرقي فلن ترقى فوق مستوى معلميها؛ فحسبما نريد أبناءنا علينا أن نُعدَّ معلمينا، إذ مستوى المعلم ينعكس على طلابه، وسلوكه وأخلاقه تنطبع  بلا شك على شخصياتهم.

ونظرة فاحصة إلى الأمم الكبرى التي بلغت من العلم والقوة مبلغا لنرى كيف يُعدون معلميهم، فاليابان على سبيل المثال تعقد مقابلة شخصية لمن يتقدم للالتحاق بإحدى الكليات التي تُعد المعلمين، ويقدم شهادة تؤكد أنه حسن السير والسلوك، ثم يخضع لامتحان تعقده الكلية، ولا تقبل الكليات كل عام إلا ما يقرب من ربع المتقديمن فقط، وبعد أن ينهي دراسته يخضع لفترة تدريب بعدها يُصنف على مستويات إما أن يكون المستوى الأول أو الثاني أو الثالث وهكذا وفقا لما تلقاه وأجاده من تدريب، وحينما يصدر له قرار بالتعيين كمعلم، ولم يلتحق بعمل لا يُعد القرار ساريا في العام المقبل، بل عليه أن يخضع لتدريب جديد يتوافق مع متطلبات هذا االعام.

وفي فنلندا لا بد للمعلم أن يحصل على شهادتين الأولى الشهادة الجامعية، والثانية درجة الماجستير، ويخضع كذلك لفترة تدريب، ويتم خلال دراسته إعداده من جوانب عديدة علميا ومهنيا. هذا شأن الدول الراقية، فهل نعي الدرس؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. أحمد علوان

دكتور أحمد علوان، دكتوراه في اللغة العربية ( النحو والصرف) محاضر بجامعة عين شمس، ومعد برامج تلفزيونية- ومنسق تربوي بإحدى المدارس الدولية بالقاهرة.
زر الذهاب إلى الأعلى