مدونات

قيمة المشاعر

أكتب مقالي هذا في مطار بلغراد عاصمة صربيا مستمتعا بقضاء إجازتي الصيفية بهناء بعدما كنت بالبارحة بعزاء أحد الزملاء، من حزن العزاء إلى فرح السفر و المطار، خلال زمن قصير، أكتب فأقول :

دوما الحديث عن المشاعر حديث ذو شجون لاضمرارها في النفس متكونة بذلك ملكا خاصا بصاحبها مرحلة تسبق في وجدان صاحبها قبل انتقاله إلى اللفظ وتصوراته فيتم التعبير به للآخرين.

فكما يقال: “‏المشاعر تلك الهبة الغريبة تُعملِق من تشاء وتُقزِّم من تشاء ترتقي بمن تشاء وتهمِّش من تشاء ، إنها مشيئة الشعور لم تكن يومًا مشيئتنا ..” ، أساسها شيء واحد هو الشعور بالرغبة، أن نشعر بأن هناك من يرغب في سماعنا ومن يرغب في مرافقتنا ومعرفتنا، هذا كاف… أن يرغب أحدهم بالبقاء معك طويلا حتى وإن لم يبقى.

إذن فالمشاعر هي المقصودة أولا و آخرا، وهي الزاد الجديد التي تضيف الى محدودية الحياة .
نتفق أنا و أنت أيها القارئ بأنه لا يوجد اثنان على ظهر الأرض تتماثل بصمات أصابعهما فكذلك المشاعر نستطيع أن نجزم بأنه لا يوجد اثنان على ظهر هذه الأرض تتماثل مشاعرهما ، ففي كل إنسان نسخة فريدة لم يطبع منها نظير، حتى التوائم الذين تتشابه ملامحهم فمشاعرهم لا تتماثل قط.

في عالم المشاعر كل انحراف صغير في جزئية صغيرة من جزئيات التكوين و البيئة و الملابسات تنتهي إلى انحراف كبير في النهاية.
فالمشاعر طابع شخصي، وميسم ذاتي يعبر عن شخصه.

فبالتالي لكل منا عالم من المشاعر جوه وطابعه و سماته، فترفعنا في لحظات وتخرجنا من قيد اللحظة الحاضرة ، وضيف إلى أعمارنا و إلى أرصدتنا الخاصة من الحياة آمادا و آفاقا أكبر و أوسع.

إلا أن تقليد المشاعر و تزويرها يقضي على هذا التفرد، ويضؤل الامتياز ألمشاعري تلك القيمة في غمار الطبائع و السمات العامة فيفقدها ويحولها إلى إجرام إحساسي شعوري.

أتفهم بأن هناك قدر مشترك من المشاعر الإنسانية العميقة، واستعداد الكثيرين بأن يسموا على طبيعتهم ومشاعرهم ، ويتطلعوا إلى ما يفوق رؤوسهم، لكن لا يجعل هذا بأن تمحى مشاعرنا الخاصة.

الذكي هو من يستطيع أن ينقل شعوره باللحظات الجزئية والحالات النفسية قويا دافقا ليرى ذلك في مشاعرنا، فيأخذنا إلى عوالمه لنشاركه هذه المشاعر وكأنما نعيشها، و يوصلوننا في بعض اللحظات بالأزل و الأبد و السرمد لكن كل لحظة عنده منفصلة وكل حالة شعور هي وحدة قائمة بذاتها، و بالتالي فلحظاته مع الكون محدودة غير منفصل عنه، يقودنا بمشاعره بخفة من نقطة البدء المحدودة إلى عالم المطلق وراء الزمان والمكان “الزمكان” لأفق كل لحظة شعور فيه هل لحظة مفردة وقوية مليئة لكنها في معزل عن بقية اللحظات و كأنها رحلة مثبتة في ناحية الكون لا تتعداها.

فمصداقية المشاعر لا أقصد بذلك الصدق الواقعي “الأخلاقي”، بل صدق الحياة و صدق الشعور و صدق التأثر.

التي بفقدها لا تتجاوز رؤية البصر لا يلمح من وراءها رؤيا شعورية، إنما هو شكل جامد لا إيحاء له ولا ظل لهذا الشعور و الإحساس.

ختاما : الخصوصية في المشاعر ومدى عمقها وشمول اتصالها بالكون و الحياة، وصحة هذا الشعور وصدقه هي أخص قيم المشاعر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى