سياسة وتاريخ

قوة الاقتصاد العالمي وصعود الـ “نيوليبرالية”!

نبدأ مقالنا بمقولة لجون مينارد كينز: “الرجال العمليون، الذين يظنون أنفسهم في حل من أي تأثيرات فكرية، عادة مايكونون عبيداً لاقتصادي راحل”. لقد استندت عمليات لبرلة “نيوليبرالية” الاقتصاد الكلاسيكي على أفكار آدم سميث Adam Smith بالدرجة الأولى، فيما كانت هناك أفكار لكثير من الاقتصاديين الذين كتبوا في الاقتصاد السياسي وغيره كأمثال وليام ستانلي جيفونز ولاحقًا ألفريد مارشال الذي تتلمذ على يده جون مينارد كينز، قد أهمل ذكرها البعض؛ رغم إسهامها الكبير في صياغة النظريات الاقتصادية المختلفة.

لكن الأمور تتبدل، فعالم اليوم، واقتصاده قد تغير وازداد تعقيدًا؛ فتم الإطاحة بالنظرية الكينزية Keynesian economics، وحلت محلها النظرية النقدية لميلتون فريدمان Milton Friedman، والتي تركز على الآثار الاقتصادية الكلية لتوريد النقود والبنوك المركزية. وهو بذلك أعاد إحياء، بل عمل على صعود الفكر النمساوي بشكل جديد عرف تيارها باسم “مدرسة شيكاغو” وتم صياغة مايسمى بالفكر “النيوليبرالي Neolibelalism” وهو أكثر تأييدًا للحرية الاقتصادية وإطلاق العنان للمشاريع الخاصة والمبادرات الفردية.

ويمكننا أن نعزو نشوءه إلى التزاوج بين فكر المدرسة النمساوية ومنظريها أمثال كارل منجر وفون ميزس وفريدريش هايك، وأفكار ميلتون فريدمان وآرثر لافر وغيرهما، حيث تحول الفكر الاقتصادي العام من الإيمان باقتصاديات جانب الطلب، إلى اقتصاديات جانب العرض.

لكن أنصار الفكر الكينزي من أمثال جون هيكس وفرانكو موديلياني وبول سامويلسون وجوزيف ستيجلتز لم يتخلوا عن مبادئ معلمهم، بل أعادوا صياغة هذا التوجه بإدخال أفكار معاصرة عرفت ب “النيوكينزية”. ورغم التضليل الذي مارسته العديد من المؤسسات البحثية والأكاديمية والشخصيات العالمية المشهورة لتشويه مصطلح النيوليبرالية وإظهاره على أنه أداة للتحكم بالدول وإفقار الشعوب وإعادة توزيع الثروة بدل خلقها؛ فإن التجربة تؤكد فشل جميع هذه المحاولات، وأن عالم اليوم يؤمن أكثر من أي وقت مضى بحرية إقامة تجاربه الخاصة المتناسبة مع حرية أفراده ولا تتعارض معها.

كما تؤكد على ذلك التجارب الناجحة لكل من آيرلندا وتشيلي في نظام التأمين الذي هندسه أبناء شيكاغو Chicago Boys وعلى رأسهم خوسيه بينييرا، والمشاريع الخاصة للشركات كشركة كوك للصناعات وبنك غرامين الذي أسسه محمد يونس لدعم الفقراء في بنغلادش وغيرها الكثير.

بل إن أنصار اقتصاديات جانب العرض يدعون إلى تعديل بنية صندوق النقد الدولي وإعادة هيكلته؛ بحيث أنه بدل أن يقرض الحكومات الفاسدة والتي لاتتصرف بالأموال كما يجب، يتم إقراض مؤسسات المجتمع المدني والمحلي والمبادهين الكبار بدل منها، والإشراف على المشاريع التنموية، وبهذا لايبقى هناك فرصة لتبعية الشعوب والدول، ولسرقة الأموال التي يتم إقراضها، وابتلاء الشعوب بتسديد فواتيرها.

إن عالمنا الاقتصادي اليوم، لم يتخلى عن أفكار مؤسسيه، لكنه طورها في ظل وجود عقول اقتصادية استثنائية، وسيستمر هذا التطور طالما أنه لا يوجد شيء يجعل من الليبرالية عقيدة ثابتة .. لكن يبقى هناك العديد من التساؤلات حول الشكل العام الذي سيكون عليه الهيكل الاقتصادي العالمي بعد أزمة كوفيد – 19، وكيف سيواجه أنصار اقتصاديات جانب العرض المشاكل الهائلة التي فرضتها الجائحة وتحقيق الـ “نيوليبرالية”.

ونختم بما قاله ميلتون فريدمان : “يمكن نيل الحرية السياسية بسهولة، لكن لايمكن نيل الحرية الاقتصادية والرخاء الاقتصادي بهذه السهولة. وحدها مؤسسات السوق الحرة والمشروعات الخاصة هي التي تحقق الحرية الاقتصادية.. فالقوة السياسية محدودة، لكن الثروة الاقتصادية غير محدودة… إن الحرية الاقتصادية تؤدي دائماً إلى ترقي الحرية الإنسانية ” ..

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Qusay Suso

باحث في الجغرافيا البشرية والاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق