مدونات

قمرنا الغائب…

استندت إلى جدارها المقدس الطاهر أخيرًا بعد انتظارٍ طال، لطالما كان شوقي لها يفوق كل شوق، على أحر من جمر انتظرت وانتظرت.

لطالما حدثونا أن المنتظر يسئم من طول انتظاره فيَهبُ ويكمل طريقه وينسى ما كان ينتظره أو ربما يتناسى.

لكن انتظاري كان يزيد شوقي يومًا بعد يوم، وسنة بعد سنة، ودهرًا بعد دهر، لم يصبني السأم ولم يكن بإمكانه أن يجد طريقًا لقلبي.

دعني أترك الحديث عن الانتظار والسأم فأنا هنا أخيرًا في حضرتها البهية، والشوق يلهب أعماقي كي تقص ما بجعبتها من حكايا، فهي ها هنا الراوي وأنا كطفل صغير تدعوه أمه لينام ولكنه يأبى.

حدثتني طويلًا عن زيتونها وأشجارها، حقولها البهية التي تضرب جذورها في الأرض ولا تهاب المحتل، ومهما حاول المحتل قطع جذورها، هي تعرف أن هذه الأرض الطاهرة أرضها فتمد جذروها فيها بلا خوف من محتل دخيلٍ على أرضها، عادتها عادة أهلها.

حكت لي عن حجارة صغارها تهيب المحتل بدباباته وأسلحته، يفرون من أمامهم فرار الفأر مسرعًا إلى جحره.

عن جداتنا وهن يعلقن مفاتيح دارهن مثل القلائد تزين صدورهن، تورث من جيل إلى جيل، فكل دار لها مفتاح وصاحب واحد، وكل أرض تعرف أهلها.

عن شهدائها يزفون إلى الجنة بالزغاريد والأفراح، عن صورهم معلقة داخل البيوت وريحهم تعانق أركان الحي، وحتى إن أضحى الحي بلا أهله، فهناك على جدار كل بيت فراغ أبيض شاهد على ما كان معلقًا، وريحهم هناك تذكر كل من مرَّ بالحي بقصة يريدون محو آثارها.

حدثتني عن الصباح يداعب حمامها الجميل المرفرف حولها لاعبًا كالصغار حول أمهاتهم، عن مطرها يغسل الجراح وشمسها تبعث بخيوط الأمل.

عن قمرها الغائب وراء الضباب يأبى الخضوع لغيوم السواد العظام، ويبزغ نوره كل حين، كل شيء ها هنا يرفض الخضوع والهوان، كل شيء ها هنا يشبه أهله الأطهار.

والقدس تعرف نفسها
إسأل هناك الخلق يدْلُلْكَ الجميعُ
فكلُّ شيئ في المدينةِ
ذو لسانٍ، حين تَسأَلُهُ، يُبينْ

كل الحكايا لم تكن سوى حلم عكسته صفحة القمر في ليل حالك الظلمة.

ولكن يا قمري مهما استشرى الضباب سوف يأتي يوم لينجلي، سلام الله عليكِ وعلى أهلك الأطهار.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

إسراء طارق

تائه لا يصل...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق