مدونات

قل لي ما هي بوصلتك أولا!

نعيش في عالم متغير، متقلبة أحواله كتقلب الليل والنهار. ما كان بالأمس يُثير الدهشة من شذوذه عن القاعدة أصبح سلعة رائجة اليوم، بل والأعجب من ذلك أن من لا ينتهج النهج الرائج الخاص بها أصبح من هو الذي يثير دهشة الناس وتتخطفه عيون الشك والريبة.

وهكذا كانت القناعات والأفكار، فما كان بالأمس منهج حياة وعقيدة روح أصبح على الهامش، وما كان على الهامش أصبح هو الترس الذي تدور به الحياة.

بالأمس القريب، ذهبت لشراء بعض الملابس، فبعد عمر خُلعت من أسنانه في الغربة آلاف الأيام والليالي، قررت العودة لوطني، وفي الوطن تظن أنك شيئا هاما، تكون في قرارة نفسك كأمير عائد من نصر ما! أي نصر هذا؟ لا أعلم ولكنه كذلك في نفوس العائدين..

دخلت لأشتري فوجدت البائع يخرج لي بنطالا أكاد أضع ساقي فيه! فما بالك بفخذي!
قلت للبائع: لا أنا لا أريد مثل هذه النوعية من الملابس، فقال لي: أي الأنواع تريد؟ فوصفت له ما كنت أرتديه من قبل.. تعجب البائع حتى ظننت أني قد أخرجت كلمة سهوا غير لائقة او أمرا ما آخر.. وعندما استفسرت منه عن سبب تعجبه قال:
« إنت بقالك قد ايه بره يا أستاذ ؟» قلت له منذ ثلاث سنوات وأنا بالخارج.. همهم قليلا ثم قال:
« في هذه السنوات أصبح ما كانت ترتديه الفتيات يرتديه الشباب اليوم، ولابد أن تتأقلم على الوضع الجديد».

خرجت من عنده متأقلما بأخف الضررين من ملابس الحقبة الجديدة التي صُدمت بها.
وهكذا كان الحال مع بعض القناعات التي جبرت على التغاضي عنها، وبعض التفاصيل التي كنت أتزين بها كنوع من الإختلاف مع أقراني.
ثم قفز في وجهي كمخلب قط هذا السؤال:
ما هي بوصلتي؟
ما هي الثوابت التي لابد أن تتواجد كي أقيم حوارا مع غيري؟
ما هو لون النهر الذي يكون أفكاري حتى وإن تغير اتجاهه؟
أين الجذر؟
لكل منا بوصلته الخاصة، التي إن فقدها في السبيل إلى حياة ما أخرى، لم يجد نفسه إلا أن يعود إليها.
ففي الصحراء الجرداء تكون شربة الماء هي بوصلة العطشى وإن لمعت جبال الذهب من بعيد.
للسجين تكون بعض الخطوات على النهر بالكون كله.
للمريض ساعة من الشعور بالراحة لو استطاع أن يبيع الغالي والنفيس من أجلها لفعل.

وهكذا الأمر في عالمنا هذا، فمن كانت بوصلته هي رغيف خبز يأكله كيف تقنعه أن بوصلة الحرية وإن عانى فَقْد الرغيف حتى إشعار آخر هي من يستحق أن يذهب عمره من أجلها ويحني ظهره بكامل إرادته من أجل حملها!

كيف تصل إلى طريق ثالث يجمع ما بين بوصلة من يكنز المال لنفسه فقط ومن كانت الإنسانية بوصلته!.

لا تستقيم الأمور بأن تكون بوصلتنا افتراضية، سهلة الخلع والتركيب والتوجيه إلى كل ما نشتهيه على جانبي طريقنا في الحياة. بل لابد من أن تكون بوصلة كل منا هي سراجه في هذا العالم المكتظ بالملايين من البوصلات الزائفة، لابد أن تكون لنا بوصلة تكون بمثابة بصمتنا في الحياة ودليلنا إلى ما بعد الحياة.

فهلا سألت نفسك « ما هي بوصلتي الحقيقية؟ ».

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

السيد إبراهيم

كاتب شاب، يبحث عن تشكيل الهواية في قالب احترافي، مع الإحتفاظ بالروح التلقائية الغجرية لخيال القاص.. آملا في فتح أفق جديد من الخيال في الرواية العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى