سياسة و تاريخ

قليل من التعاون.. كثير من الصدام

للمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، تتصادم قوات الولايات المتحدة وروسيا على الأرض السورية التي استباحتها كل أقطار المعمورة، فقد اعترض رتل عسكري أمريكي يؤدي دورية أمنية اعتيادية في الحسكة شرق سوريا رتلاً آخر روسياً، وعطله لبعض الوقت قبل أن ينتهي الأمر دون وقوع خسائر، وتنصرف الدوريتان لحال سبيلهما.

أثار التصرف الأمريكي استغراب المراقبين، ودفعهم للتساؤل عن مغزى استفزاز الأمريكيين للروس، والطرفان الآن في عهد ترامب في أفضل علاقاتهما منذ عهدي ريجان وجورباتشوف في ثمانينيات القرن الماضي، ومن بعدهما بيل كلينتون وبوريس يلتسين بعد نهاية الحرب الباردة، لكن كما قال ونستون تشرشل: “في السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، ولكن توجد مصالح دائمة”.

إذاً فالبوصلة التي تضبط علاقات موسكو وواشنطن هي مصالح كل طرف وليس العلاقات الشخصية بين ساكن البيت الأبيض وسيد الكرملين، ومعروف بالتأكيد أن المصالح لا تتفق في أحيان كثيرة حتى بين الحلفاء، فما بالك بدولتين عظميين تصارعتا على السيطرة على العالم لما يقرب من نصف قرن؟

مثّل اندلاع الثورة السورية فرصة نادرة لتلاقي مصالح الولايات المتحدة وروسيا ولكل منهما أسبابه، فالولايات المتحدة تخشى من قيام نظام ديمقراطي يهدد مصالح واشنطن في بلاد الشام، خاصة مع تهريب النظام السوري لمليارات الدولارات المنهوبة من أقوات السوريين للمصارف الأمريكية، والخوف من تهديد أمن إسرائيل الذي حافظ عليه الأسدان حافظ وبشار طوال نصف قرن.

أما روسيا فهي ترفض الاعتراف بأية ثورة شعبية، وتعتبرها مؤامرة على تابعيها منذ الثورة الوردية في جورجيا خريف 2003، والثورة البرتقالية في أوكرانيا شتاء 2005، علاوة على رغبة بوتين في الاحتفاظ بآخر موطئ قدم لروسيا على البحر المتوسط، ممثلاً في ميناء طرطوس غرب سوريا، بالإضافة لحرص روسيا كما باقي الدول العظمى على أمن كيانهم المصطنع في فلسطين المحتلة.

تقاسم راعي البقر الأمريكي والدب الروسي الأدوار في السياسة والحرب، فواشنطن تقدم مشاريع قرارات هزيلة لإدانة إجرام بشار الأسد، وموسكو تستخدم حق النقض لمنع تمريرها، وتقدم روسيا السلاح للأسد وتقدمه الولايات المتحدة للثوار، وفي الوقت نفسه تقدم إحداثيات مواقع الفصائل الثورية للنظام العلوي ليقصفها.

لكن ما أن أصبحت أغلب الأراضي السورية خارج قبضة النظام المجرم، حتى منح باراك أوباما الضوء الأخضر لفلاديمير بوتين خلال الدورة الرابعة والسبعين للأمم المتحدة قبل خمس سنوات للتدخل العسكري الصريح والعنيف للقضاء على الثورة اليتيمة، وهو مالم تتخاذل روسيا في تنفيذه.

انعكس مسار الأحداث لصالح النظام الذي سيطر مرتزقته وشبيحته على غالبية مناطق المعارضة، في مقابل الحصول على قواعد عسكرية جديدة في حميميم ومطار الحسكة باتفاقيات صورية تصل لعشرات السنين، وتوقيع عقود للتنقيب عن الغاز السوري الوفير على سواحل المتوسط.

لكن مع قدوم دونالد ترامب، تحدث الرجل كما هي عادته عن فاتورة الوجود الأمريكي على الأراضي السورية، وقال في وقاحة يحسد عليها أن النفط السوري صار حلالاً زلالاً لشركات النفط الأمريكية، وهذا هو السبب الأول للتوتر مع روسيا الذي طفا على السطح مؤخراً.

أما السبب الثاني فهو سعي موسكو لالتهام كعكة إعادة الإعمار السورية بمفردها، لكن مع طلب المساعدة المالية من الأوروبيين، وقد غضب ترامب لذلك أيما غضب خاصة مع إعلانه في ديسمبر 2018 أن تكلفة إعادة الإعمار ستتحملها السعودية، ما يعني أن الشركات الأمريكية هي التي ستتكفل بأداء المهمة.

أما السبب الأخير فهو صفقات الأسلحة الروسية مع دول تقع في مناطق النفوذ الأمريكي التقليدية؛ مثل صفقتي الإس-400 مع تركيا والسوخوي-35 مع مصر، ما دفع الخارجية الأمريكية لتبادل اتهامات عنيفة مع نظيرتها الروسية حول الهدف الحقيقي من هكذا صفقات.

مهما حاولت القوتان العظميان تصوير علاقتهما على أنها تحالف فلن يقتنع العالم بذلك؛ فميراث الماضي واختلاف المصالح في أغلب الأحيان ستحولان دون ذلك بالتأكيد، لكن لا مانع من بعض التعاون وسط كثير من الصدام.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق