مدونات

قلب الثلاثين.. مرهَق أم مراهق

مع ذكرى مولدك الثلاثين ستختلف المشاعر الاحتفالية وحالة البهجة التي كانت ترافقك دائمًا في ذكرى ميلادك. ستتحول إلى مشاعر أخرى غريبة، قد لا تكون بالضرورة مشاعر حزن لكنها أيضًا ليست احتفالية كسابق عهدك.
لن تنتظر الهدايا ككل عام ولن تلوم من غفل أو تغافل عن الحضور بكلمة أو هدية أو رسالة على منصة تواصل. ستختبر مشاعر أخرى ربما لن تفهمها أو تجيد تفسيرها، لكنك حتمًا تعيشها.
ببلغوك الثلاثين، ستشعر وكأنك كبرت دهرًا كاملًا، وليس عام واحد، ستبدو وكأنك أضفت ٣٦٥ عامًا لا ٣٦٥ يومًا، قد تبلغ خبرات حياتك في هذه المرحلة حدًا لا تستطيع روحك تقبله أو تلقيه أو مجاراته؛ لقد كبرت حقًا وروحًا وليس على الورق فقط.
خسرت حروبًا وحروبا على مدى الأيام، لكنك فعليًا حققت الكثير والكثير أيضًا، وأهم ما أنجزته هو التصالح مع نفسك أولًا، ثم مع الأيام والحياة والخلق.
لكن الأمر ليس سوادًا بكل الأحوال، لأنك عندما تُلقي نظرةً على أعوامك الماضية سترى حقائق وسنن الله في الأرض رأي العين، فيزداد إيمانك وتتسلح للشدائد حتى لتظن ألن يقدر عليك ألم.
ببلوغك الثلاثين ستخبرك الأيام أنها ليست مجرد أرقام، إنها التجارب التي طُبعت في قلبك قبل أن ترسخ في ذاكرتك، إنها المواقف التي علمتك متى تبتلع الكلمات وتصمت لأنها لن تزيدك إلا ألمًا على عكس ما كنت تتوقع من أنها ستغمرك بالراحة.
إنها تجاعيد وجهك الزاحفة على استحياء والتي أكاد أجزم أن بعضها قد طال قلبك، شحوب عينيك، شرود ذهنك في اللا شيء، ربما إذا قمت بحساب أوقات الشرود وجمعتها قد تتفاجأ أنها استقطعت من عمرك شهورًا، بل قل أعوام.
إنها البسمات والضحكات التي ارتسمت على شفتيك لتنسيك ما ألم بك، ولتخبرك أنّ لا شيء يدوم حتى الضحكات نفسها.
في الثلاثين ستنظر لأعوامك الماضية بعين الرضا، وستحمد الله من قلبك على كل ما مر، سراء وضراء، لأنها عدالة السماء الحقة التي كنت تجهلها سابقا، لكنك الآن تقبلها وتتقبلها بكل نفس راضية، ولا تلوم سوى نفسك، كما ستنظر لأعوامك القادمة – إن وجدت – بعين الأمل وبعض التفاؤل.

على أعتاب الثلاثين ستفقد اندفاعك وتهورك لتتحلى بالتعقل والمنطقية أكثر في قراراتك، ستفقد لذة الحلوى وتبحث عن  أكثر الفواكه الصحية المملة، بعد قليل ستزهد الفاكهة هي الأخرى. ستنفر من الصخب الذي كنت تهواه وتعيشه بكل معانيه لتميل أكثر إلى الهدوء وتجنح إلى العزلة وتنشد الوحدة الملهمة، ستتوقف عن استجلاب العواطف وتكتفي بما تكنه لكل من حولك إن حبًا فحب وإن ضيقًا فضيق، ولن تنشغل كثيرًا بما يراه الآخرين في شخصك المتواضع – نسيت أن أخبرك بأنك ستتواضع كثيرًا عن ذي قبل – لأنك ستدرك أنها أعينهم، ما خلقت إلا لتراك معيبًا.
سيتغير الناس من حولك، سنة الحياة هي التغير الدائم، ستتفاجئ بهذا التغيير؛ سيغضبك نوعًا ما، لماذا تغيرت المعاملة؟ لازال قلبي طفلاً، ألا تؤكد ذلك هيئتي وملامحي، تنظر في المرآه لتصدم بأنه لم تعد هيئتك طفولية كما كنت تظن، كذلك قلبك هرم هو الآخر، ستجده لان، وتلاشت قسوته في الحكم على الأشياء والخلق، وسطحيته في النظر الى الأمور، وحل محله عمق تتردد عواطفك في تقبله، تضبط نفسك سعيدًا بهذا النضج تارة، وتارة أخرى توبخها على تماديها في كلام الكبار الذي ليس من شأنك.. مالك أنت و كلاكيع الكبار، ألست طفلًا تحسب مع الصغار، لم تتجاوز أعوامك سوى..؟ ثلاثون!
ستتغير أنت الآخر سيتعلم قلبك القسوة، ستكبر، يخبرك بذلك جيشًا أتى من بعدك، جيل كامل، احتل مدرستك القديمة وشارعك الذي تهواه، وخطف وجبتك المفضلة إلى تفضيلاته، بل إن العجب أن وجبتك المفضلة أصبحت بلا معنى وبلا طعم وفقدت وقعها في قلبك، ارتدى أزيائك التي تفضلها جيلًا كنت ترفض خياراته دائمًا، بينما تراها أنت خيارات طفولية، مهلًا، ألست طفلًا؟ لا يا صديقي لم تعد بعد.
كيف تعرف أنك كبرت، انظر للمرآة، لا أقصد صورتك داخلها، بل المرآة نفسها، كبرت هي الأخرى وملأتها الخدوش التي تشبه كثيرًا خربشات الأيام على وجهك،أما ندوبها الغائرة، فهي بلا شك تماثل ندوب قلبك المنكسِر.
انكسر كأسك، إن شئت فقل شاب هو الآخر معك، ليخبرك أننا قاربنا على الانتهاء، وفي أي لحظة قد نلتفت لطريق العودة.

العودة؟ لا زلت في مقتبل العمر أتلمس الخطى والطريق!

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق