سياسة وتاريخ

قطيعة أم سحابة صيف؟

يتصاعد التوتر منذ الأسبوع الثاني من فبراير الجاري بين روسيا وتركيا، الطرفين الأكثر فاعلية وحضوراً على الساحة السورية، فأنقرة تلقي باللائمة على موسكو جراء تدهور الأوضاع السياسية والعسكرية في إدلب بعدما سيطرت قوات الأسد على سراقب في السابع من الشهر الجاري، ثم على طريقي حلب دمشق وحلب اللاذقية، ما نجم عنه نزوح عشرات الآلاف من المدنيين السوريين إلى الأراضي التركية، ما جعل أردوغان وحلفاءه في البرلمان يضجون بالشكوى، بعدما اعتبروا أن تركيا غدت عاجزةً عن استقبال المزيد من اللاجئين السوريين وهي لم تعد بعد الأربعة ملايين الوجودين على أراضيها لديارهم.

لكن العالمين ببواطن الأمور يدركون أن ذلك ليس السبب الرئيسي لحنق الأتراك، وإن كان من جملة الأسباب التي وترت الأجواء بين البلدين، فما جرح كبرياء أنقرة هو حصار قوات الأسد لنقاط المراقبة التي أنشأها الجيش التركي في إدلب لدى تدخله في شمال سوريا قبل عامين، وزاد الجيش السوري النظامي من تحديه لحكومة العدالة والتنمية، فقتل نحو خمسة عشر من الجنود الأتراك، ما دفع تركيا للرد بقسوة مردية نحو مائتين وثلاثين من مقاتلي النظام قتلى خلال مناوشات الأسبوع الماضي.

يدرك أردوغان والقائمون على حكومته أن نظام بشار الأسد الذي لا حول له ولا قوة لم يقدم على تحدي الجيش التركي الذي يفوقه عتاداً وقوة، ويمكنه سحقه في سويعات إلا بضوء أخضر من فلاديمير بوتين المهيمن الأول على الأوضاع في سوريا منذ نحو خمس سنوات، وهو ما يزيد من المرارة في حلق أردوغان، فهو يشعر أن الطعنة جاءته من روسيا التي ألقى بثقله وراءها، ليضع حداً للمأساة السورية التي هددت أمنه وحدوده، بعدما خذلته إدارتا أوباما وترامب الأمريكيتان.

لكن ما نسيه أردوغان في غمرة الصفقات المتتالية التي عقدها مع الروس، أن مصالح الطرفين مختلفة من ناحية، ومن ناحية أخرى الخلاف الذي طفا على السطح بين الجانبين حول نزع سلاح الفصائل الكردية المسلحة، واستفحل مع تدخل تركيا في ليبيا لدعم حكومة السراج ضد قوات حفتر، والأخير كان له الدور الأبرز في التوتر الحاد الذي عصف بعلاقات أردوغان-بوتين وأوصلها إلى هذا الدرك من السوء.

فقد اعتبر الرئيس الروسي أن نظيره التركي يتحدى مصالحه في ليبيا بالتعاون مع حكومة الوفاق ضد حفتر، الذي تمده روسيا بالعتاد والمرتزقة طمعاً في الحصول على قسم من كعكة النفط الليبية، ونقل عن بوتين قوله لأردوغان أنه إذا كانت الحكومة التركية تدعم الحكومة الشرعية في ليبيا، فروسيا تدعم الحكومة الشرعية في سوريا، أي بعبارة أخرى ليس حلالاً لك التدخل خارج حدودك وحراماً علينا.

من ناحية أخرى حاول الأمريكيون تصعيد الخلاف بين الروس والأتراك بما يخدم المصلحة الأمريكية على قاعدة فرق تسد، فقد صرح ساسة أمريكيون أن تركيا وروسيا على شفا الحرب في شمال سوريا، لكن ورغم توتر الوضع وضبابيته، فإن مآلات الخلاف لا تشي بذلك الصدام المروع لأن مصالح الجانبين أهم.

فلا الأتراك يريدون خسارة شريكهم التجاري الأهم بما يؤثر على الاقتصاد التركي الذي يعاني منذ فترة، كما لا يفكرون بالمخاطرة بالتعاون العسكري بينهم وبين روسيا في تصنيع منظومة إس-400، بعدما خذلهم الغرب ممثلاً في الناتو والولايات المتحدة، والأهم من هذا وذاك مشروع السيل التركي الذي سينقل الغاز الروسي لأوروبا عبر الأراضي التركية، مما سيدر مليارات الدولارات على الخزينة التركية، وينعش اقتصادها المنهك.

أما الروس فلن يخاطروا بخسارة سوق هام لسلاحهم، والأهم من ذلك أنهم مدينون بالفضل فيما استعاد النظام السوري السيطرة عليه لتركيا، وسيتفاهم الطرفان على طريقة يحفظان بها مصالحهما، ويمنعان الصدام بينهما والأيام كاشفة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق