سياسة وتاريخ

فاعلية قطع رأس القيادة

في تقرير باتريك جونستون الصادر عن مؤسسة راند، حاول الكاتب بحث تأثير قتل أو اعتقال قادة الجماعات الإرهابية وتأثير ذلك على مكافحة التمرد والإرهاب، ولاسيما أنه في خلال القرنين الماضيين اعتمدت التكتيكات المخابراتية على تصفية قادة الجماعات الإرهابية، أو المناوئة للأنظمة بشكل رئيسي، و تمخض عن ذلك قتل أو أسر ما لا يقل عن 50% من قادة تلك الجماعات.

فهل قتل القادة يؤثر حقاً على تفكيك المنظمات الإرهابية، وتشتيت الجماعات المتمردة؟ أم أنه مجرد بربوجاندا إعلامية هدفها الأوحد كسب المناورات السياسية من قبل الحكام؟؟

كثير من الباحثين في مجال مكافحة الإرهاب يؤكدون أن تصفية القيادة أمر غير مجدٍ بالمرة، وعلى رأس هؤلاء  ستيفن هوسمر وروبرت بابي  اللذان  يؤكدان أن الأمر له نتائج عكسية بحتة.

بينما يرى آخرون  بأن عملية تصفية القيادات تساهم في القضاء على الإرهاب ولكن حال توافر ظروف معينة، أما بدون تلك الظروف فإن تأثيرها يكاد لايذكر، اللهم إلا بالنسبة للزعماء السياسيين وللشعوب كي تثق بأن قاداتها تنتقم وتفعل شيئاً ما .

أما أودري كورث كرونين فهي الأكثر تفاؤلاً على حد وصف جونستون والتي ترى أن قطع رأس القيادة قد يؤدي إلى القضاء تماماً على المنظمة كما حدث مع الجيش الجمهوري الأيرلندي.

وبتحليل الاسباب التي استندت عليها آراء القائلين بعدم فاعلية قطع رأس القيادة، نرى أنهم استندوا على مجموعة من الفرضيات الخاطئة والتي أدت في النهاية إلى استنتاج خاطئ ، هذه الفرضيات تتمثل في الآتي:

  • منظمات المتمردين قوية ومرنة.
  • تأثير قتل القائد إيجابي على أتباعه.
  • قتل القائد يضفي اللامركزية على المنظمة مما يجعلها أقوى.

الافتراض الأول:

والذي يرى أن الافتراض أن المنظمات الإرهابية قوية ومرنة، فهو افتراض خاطئ بالمرة، وذلك لأن هذه التنظيمات تعتمد في واقع الأمر على كاريزما القائد ومهارته، كما أنها لا تمتلك من الإمكانات الشيء الكثير، فضلاً عن المهارات والخبرات ما يجعلها مرنة وقوية بدون القادة وخبرتهم ومهاراتهم التنظيمية.

الافتراض الثاني:

والذي يري أن قتل القائد محفز لأتباعه، وسيسعون لأخذ انتقامه هو أيضاً خاطئ لأن التنظيمات ولاسيما المطارد منها من قبل الحكومات لا تعمل بناءاً على عواطفها أو مشاعرها، وإنما تعمل على حسابات استراتيجية للفوائد والمخاطر التي ستنجم عن الانتقام، وعليه فإن قتل القائد إنذار له وقع خطير على قوتها وديمومتها.

الافتراض الثالث:

ويتمحور حول تحول المنظمة بعد تصفية قائدها إلى وحدات محلية صغيرة قائمة بنفسها بعد أن كانت تخضع لتسلسل هرمي وتنظيمي كفيل بإهلاكها مع هلاك قادتها، كما حدث مع تنظيم القاعدة في العراق بعد مقتل أبو مصعب الزرقاوي.

ولكن على العكس فإن هذه الفرضية ليست مضطردة فقد يهلك التنظيم فعلياً ويضطرب بهلاك قائده .

قطع رأس الأفعى فعال!!

على عكس ما يشاع بين كثير من محللي الجماعات الإرهابية بأن قطع رأس قيادات هذه التنظيمات غير مجدٍ، ولا فعال نظراً لاستنادهم على فرضيات خاطئة، وإحصائيات غير دقيقة فإن قطع رأس الأفعى فعال وبشكل كبير للقضاء على التمردات، والمنظمات الإرهابية .

أولاً: كسر الروح المعنوية

يكون قادة التنظيمات غالباً قادة ذات كاريزما، ودهاء سياسي يمكنهم من استقطاب المنضمين الجدد للتنظيم، ولاسيما و أن تلك التنظيمات مُحاربة من قبل الدول، وتحوم حول منتسبيها كافة الأخطار .

ومثال على ذلك انهيار تمرد جماعة دار السلام في إندونيسيا بعد قتل زعيمها  كارتو سويرويو، وكذلك حدث في بورما بعد إعدام  ساياسان.

ثانياً: تحول البوصلة

في كثير من الأحيان تظهر تيارات إصلاحية داخل الجماعات المسلحة الإرهابية ولاسيما بعد طول الأمد في النزاع، وتكبد تلك التنظيمات لخسائر فادحة تجعلهم يفضلون المناورة السياسية عن المعركة العسكرية.

و تظهر تلك النزعة غالباً بعد مقتل القادة المؤسسين والأكثر تشدداً نتيجة لكسر الروح المعنوية من جهة، وخيبة النتائج للتنظيم من جهة أخرى.

ثالثاً:التخبط التنظيمي

يكون قادة التنظيمات المسلحة في الغالب الأعم لديهم قدرة كبيرة على التخطيط والتنسيق، وجلب الدعم، ولذلك تحدث تخبطات كبرى في حالة غيابهم المفاجئ كما حدث مع متمردي جبهة التحرير الشعبي بعدما اعتقل زعميها، تخبطت كثيراً لتسقط في قبضة الحكومة أخيراً، وتنتهي بشكل نهائي.

رابعاً: المساومات

في حالة ظفرت الحكومات بقادة التنظيمات أحياء، فإنها تمارس عليهم شتى الضغوطات حتى ينتهوا في نهاية الأمر لعقد تسوية تُفضي للقضاء على التنظيم برمته كما حدث بمراجعات الجماعة الإسلامية بمصر، والمتمردين في الفلبين مع الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالرغم من زعم الكثير من المحللين والباحثين عدم فاعلية قتل قادة التنظيمات المسلحة على بقاء التنظيم وقوته، إلا أن هذا القول مجانب للصواب كثيراً، ولذلك تولي الحكومات والدول أهمية كبرى لتصفية قادة التنظيمات المسلحة والحركات الإنفصالية والجماعات الإرهابية إيماناً منها بقدرة ذلك الفعل على إضعاف تلك التنظيمات تمهيداً للقضاء عليها.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى