أخبار الخليج

قطاع الخدمات السعودي

تسعى الدول الكبرى سعيًا حثيثًا إلى تنويع اقتصادها؛ فتتبنى الرؤى، وتعدّل القوانين، وتتخذ إجراءات ناجعة على الدوام حتى تضمن تحقيق ما تصبو إليه. وليست السعودية ببعيدة عن هذه الدول؛ فقد طرحت في أبريل من عام 2016م رؤيتها الشاملة 2030 بهدف تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات وتمكين القطاع الخاص أكثر فأكثر ليزدهر اقتصادُها بعيدًا عن قطاع النفط وصناعاته. ومن بين أهم القطاعات التي أخذت السعودية في تطويرها وارتكزت عليها في رؤيتها: قطاع الخدمات؛ إذ تشكّلُ حصته _طبقًا للإحصاءات الأخيرة_ 54,5% من الحصة الإجمالية للناتج المحلي السعودي؛ فلا غرو إذن أن تهتم المملكة به وتخصص فكرها قبل مواردها لدعمه وإنمائه.

لقد قسم الاقتصاديون القدامى النشاط الاقتصادي كلَّه إلى فئتين عريضتين: السلع، والخدمات. أما السلع فيندرج تحتها التعدين والبناء والزراعة والصناعة وكل قطاع آخر يقدم منتجًا ملموسًا أو ماديًا، وعلى النقيض من هذا، يقف قطاع الخدمات بأنشطته؛ إذ يقدم أشياء غير مادية وغير ملموسة، مثل: النقل، الفنادق، البريد، التأمين، تجارة الجملة والتجزئة، الخدمات الحكومية، تطوير الأعمال، الاتصالات وغير ذلك. وتبلغ نسبة مشاركة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي العالمي ثلاثة أخماس حجم الإنتاج الكلّي، ويعمل بالقطاع أكثر من ثلث القوة العاملة في جميع أنحاء العالم، وتعتبر الاقتصادات التي تتمحور حول قطاع الخدمات أكثر تقدمًا من مثيلاتها الصناعية والزراعية؛ فدولة كالهند يساهم قطاع الخدمات فيها بما يعادل 55,39% من الناتج المحلي الإجمالي وذلك وفقًا لبياناتها عن أداء 2020م، ويستوعب ذاك القطاع الحيوي في المملكة المتحدة 87.7% من حجم العمالة الكلية في الدولة. أما عن الولايات المتحدة الأمريكية فيصحّ أن نطلق على اقتصادها كله دون مبالغة “اقتصاد الخدمات”؛ لأن مساهمة القطاع الخدمي في ناتجها المحلي الإجمالي تكاد تصل إلى 85%. إذن، ما الذي يدفع القطاع لينمو بهذه الوتيرة السريعة وخاصة في الدول العظمى؟ ولماذا بات القطاع محور اهتمام عالمي منذ ثلاثة عقود؟ وهل كان “آدم سميث” مخطئًا حين قال “إن العمالة التي تقدم الخدمات غير منتجة”؟! وكيف نفسر تحول الاقتصادات الصناعية العظمى إلى اقتصادات خدمية؟!

للإجابة على هذه الأسئلة يجدر بنا التأمل فيما جرى حولنا: انتشرت التكنولوجيا بشكل هائل، واتجه العالم إلى الرقمنة والأتمتة، وأصبح التحول الرقمي للحكومات وقطاعاتها أمرًا لا مناص منه؛ ولعل هذا هو الذي ساهم بشكل رئيس في الطفرة التي أحدثها القطاع حتى أشارت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى تراجع مؤشرات القطاع الصناعي بنسبة 20% وارتفاع مساهمة القطاع الخدمي بنسبة 70% من حجم العمالة والإنتاج المحلي العالمي. لقد قال أحد المحللين الاقتصاديين في خمسينيات القرن الماضي جملة معبِّرة: “سيندحر عصر الياقات الزرقاء أمام عصر الياقات البيضاء” وكان يقصد من قولته هذه تراجع أنشطة القطاع الصناعي والتبشير بثورة القطاع الخدمي، وما زالت المؤشرات العالمية والإحصائيات الدولية تؤكد ما تنبأ به الرجل يومذاك.

كانت السعودية محقّة، ولا ريب، في نظرتها لهذا القطاع؛ باعتباره دعامة أساسية في اقتصاد ما بعد النفط، ولعل نظرة سريعة على البيانات المالية للأعوام الآتية: 2018م، 2019م، 2020م سوف تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن السعودية أفلحت في مساعيها، ونجحت في تنفيذ رؤاها؛ فقد بلغت نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي 48.7% عام 2018م، وعن عام 2019م كانت النسبة تساوي 50.8%. أمّا عن عام 2020م فكانت نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي قد ارتفعت إلى 56.7%؛ بواقع 1.47 تريليون ريال من أصل 2.62 تريليون ريال … هل ترون، الآن، صدق ما ذهبنا إليه حين قلنا إن قطاع الخدمات السعودي هو حصان طروادة إلى التنمية المستدامة؟!

في النهاية، نودُّ أن نثمّن خطط السعودية للنهوض بهذا القطاع وغيره من القطاعات التي لا تعتمد على النفط والغاز؛ إذ أن النجاح ومقومات الاستدامة تكمن تحت سقفها دونًا عن غيرها. ففي وقت الجائحة، وفي ظل انهيار أسعار النفط كان هذا القطاع سندًا وكان أيضًا المساهم الأكبر في الناتج المحلي. نأمل من الله أن يسدد خطى السعودية في مسيرتها التنموية، وأن يجعل من إصلاحاتها الاقتصادية سبيلًا لتحقيق أهدافها الشاملة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى