ثقافة وفنون

قصيدة النثر: الاعتداء السافر على روح الشعر العربي

كان لي صديق اسمه صميم، وقد ألّف نكتةً في صميم هذا المقال، كتب: “قلت لشخصٍ تعال وانظر إلى هذه الدائرة المربعة، فاستغرب جدّاً وقال: كيف دائرة وكيف مربعة؟! في نفس الوقت، فقلت له: عليك نور.. كيف قصيدة وكيف نثر؟

الحقيقة أن هذه النكتة رغم بساطتها إلا أنها تبحث جديّاً في الجدلية الكبيرة بين عشاق الشعر العربي القديم وبين محبي الشكل المعاصر للشعر كما أسمته نازك الملائكة، أو الشعر الجديد كما أسماه محمد النويهي.

منذ بداية نشأتي الأدبية وأنا أميل للشعر العربي القديم ببحوره وأوزانه وقوافيه، استمتعت جداً بالموسيقى الهائلة التي يمتلكها، وبالإيقاع السلس الذي يرنّ في الرأس أثناء نطق الكلمات، لذلك كانت محاولاتي الشعرية دائماً تصبّ في بحر الشعر العامودي، وعندما اصطدمت أثناء قراءاتي في المراهقة بنوع من الأدب يسمونه زوراً بالشعر لم أستسغه أبداً، لأنه لا يملك من خصائص الشعر الذي أعرفه وأحبه شيئاً.

التعريف الميكانيكي للشعر إذا جاز التعبير هو كلام موزون مقفى، وقد أحصى الخليل بن أحمد الفراهيدي خمسة عشر بحراً قالت العرب أشعارها عليهم، واستدرك الأخفش بحراً لم يذكره الفراهيدي وأسماه المستدرَك.
إذا وبشكل تلقائي فإن أي كلام متراصف يخرج عن هذه القاعدة هو بمنظوري الشخصي ليس شعراً، ولا يمكن أن يسمّى قصيدةً ولا بأي شكلٍ من الأشكال، والحقيقة أن تسمية هذا الفن الجديد بالشعر هو اعتداء سافر وموصوف على الشعر العربي، الشعر الذي إذا لم نبالغ، هو الشيء الوحيد الذي يمكن للناطقين باللغة العربية الافتخار به وعدّه من إنتاجهم الشخصي.

القصيدة مصطلحٌ للشعر القديم فقط
ربما ارتبطت كلمة “قصيدة” بالشعر ارتباطاً وثيقاً واندماجياً يصعب فصمه، فعندما تقول هذه قصيدة كأنك قلت هذا شعر، والعكس صحيح، حتى في المعجم كلمة قصيدة يرد معناها على أنها أبيات شعرية متحدة بالوزن والقافية والرويّ ويزيد عددها عن سبعة أبيات، رغم أننا لو دققنا قليلاً نجد أن مفردة قصيدة نابعة من كلمة قِصدة وهي القطعة من الشيء إذا تكسر والجمع قِصَد، وعلى هذا يكون معنى الكلمة هو قطعة من الأبيات الشعرية، واتفق النقاد على أن يكون عددها سبعة فأكثر.
لنسمّي هذا الفن الجديد أيّ اسمٍ آخر، فاللغة العربية بحرٌ زاخر بالكلمات والمفردات، لنطلق عليها مثلاً (مقطوعة نثرية) أو (سرديّة نثر) أو (نثريّة) بكل بساطة.

الخنجر المسموم في خاصرة الشعر العربي
ليست مشكلتي مع “شعر النثر”! مشكلة إنكار وجود، فأنا أؤمن بأنه فن قائم له محبوه ومريدوه، وهو إذا أردنا الإنصاف ما هو إلا تكثيفٌ محبّبٌ للأفكار التي تجول في الرأس، ورمزية مفرطة يستطيع بفضلها الكاتب الهروب من شبح المباشرة والوضوح، فهذا الفنّ الجديد يُعدّ الجنة المثالية لمحبيّ الرمزية والغموض والتلاعب على الألفاظ. مشكلتي هي الاسم فقط، لماذا قصيدة نثر؟!

لا نستطيع أن نسرق اسم فن قائم منذ بداية اللغة العربية وهو الشعر ونلصقه زوراً بفنّ جديد لا يتجاوز عمره في أبعد تقدير السبعين عاماً، وأغلب من كتب فيه في البدايات كان متأثراً بالمدارس الأدبية الغربية للشعر الحرّ الذي يتحرر من جميع القواعد. كل الذين يقولون أن هذا الفن الجديد ما هو إلا تطور في شكل الشعر وتجديد له ليواكب عصر الانفتاح الأدبي هم خاطئون وواهمون.

تطوير الشعر لا يكون بنقض بنيانه وأساسه الذي يقوم عليه وهو البحر الشعري، وإعادة تشكيل أنقاضه بشكل مختلف كليّاً، فالمنطق يقول أن التطوير الشكلي يمكن أن يكون في الألفاظ العصرية والخيالات المتجددة أو في المواضيع المطروحة والأغراض والمناسبات، التطوير يكون بالابتعاد مثلا عن الألفاظ الموحشة والتراكيب الصعبة، ولا يكون أبداً بنقض أساس البناء الشعري وتهديمه، فمهما قلنا عن هذا الفن المعاصر (الذي احترمه) أنه شعر، لن يكون كذلك أبداً.
يقول المتنبي وهو أحد أعظم شعراء العربية:

وهبني قلتُ هذا الصبح ليلٌ.. أيعمى الناظرون عن الضياء؟!

زر الذهاب إلى الأعلى