ثقافة وفنون

قصور المناهج التعليمية واقتراحات بديلة

قصور المناهج التعليمية واقتراحات بديلة

إن المدارس، بمفهومها المعاصر، هي جليس أطفال جيد للأهل العاملين، وهذا ينطبق على الدول الحديثة. أما في بلادنا فإنها  تشبه السجون. وسوف أستثني الأدلجة السياسية والدينية وأقصر حديثي على الجانب التعليمي.
ما الذي يمكن للمرء تعلمه في المدرسة؟ إن الطفل لا يتعلم الرياضيات والفيزياء والأحياء واللغات، بل في الواقع إنه يتعلم كره هذه المواد.
يمكن للمرء خارج المدرسة تعلم أي مجال معرفي إن كان مهيئًا وجاهزًا لذلك. في المدرسة يفرض على الطلاب قسريًا تعلم مواد تبعًا لتدرجات ولتقسيمات عمرية، أي يتم تحديد السن الملائمة لتعلم أي شيء، وذلك بحشو دماغ الطفل بمعلومات. لكن هل يصح أن نسمي هذا تعليمًا؟ هل يمكن تعلم لغة أو حل مسائل رياضية من خلال التلقين؟ هل يسوق أحد ما سيارته لمجرد أنه قرأ “دليل السائق في لندن“؟!
إنك تتحدث لغة لأنك تمارسها كثيرًا، وهذا ينطبق على أي شيء آخر. ومن أجل أن تمارس مهمة معينة، يجب أن تحبها وتكون مهيأ لها. لن تفهم شيئًا إن لم يكن لديك رغبة شعورية بفهمه. ولا شيء من هذا موجود في المدارس. إن المدارس تعتمد على الحفظ والحفظ والاختبارات. وهذا تأكيد على دور المعلومة على حساب المعرفة. فالمعرفة هي تفاعل التجربة مع المعلومة والطالب اليوم محروم من التجربة. هذا ما أجده مثبطًا ومحطمًا لأطفالنا.
ولو أضفنا الأدلجة السياسية أو الدينية، فإن مدارسنا وجامعاتنا تصنف عدوة للمعرفة. ما أراه مناسبًا هو طرق التدريس القديمة: التعليم خارج المدرسة. بحيث يتابع الطالب اهتماماته الأصيلة ويطرح الأسئلة بتوجيه إرشادي من متعلم جاهز ومثقف.
لكن لسنا جميعًا قادرين على ذلك اليوم، فأين هؤلاء الموجهين المثقفين؟ وهل نملك المال اللازم كي نعطيهم إن وجدوا؟ يحاول علماء مثل روجر شانك ابتكار برامج حاسوبية لتعليم الاطفال بهذه الطريقة، لكن هذا يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن.
هذا ما حصل معي إذ أدركته مبكرًا. لذلك توجهت لتعليم نفسي، بالقراءة.
الأهم في الموضوع أن تقرأ ما أنت مستعد لتفهمه واستكشاف أفكاره، كي تبتكر. من الجيد أن لدينا اليوم سرعة وسهولة في نيل المواد العلمية عبر الوصول الحر إلى الشابكة. ليقرأ الاولاد ما يحبون قراءته وما هم مستعدون لاستيعابه ويناسب تساؤلاتهم ويشبع فضولهم، ويصقل معها علاقته بالعالم بوصفه فردا له عقله المستقل.
فإن التعليم هو كما وصفه فيلهيلم فون هامبولت، “الحقيقة، والفضيلة” التي لابد أن تنتشر إلى الدرجة التي تأخذ معها “فكرة البشرية” شكلًا عظيمًا ومكرمًا عند كل فرد. ويمكن تحقيق ذلك بأن “يتشرب الفرد الكتلة الهائلة من المادة المقدمة له من العالم حوله، وذلك من خلال وجوده الداخلي، مستخدمًا كل قدرته على الاستقبال، ومن ثم عليه أن يعيد تلك المادة بكل ما لديه من الطاقات لتلائمه وبذلك يمكنه التفاعل بين طبيعته وبين العالم بأقصى أشكال الانسجام”.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى