مدونات

قصص الحب المنسية

لماذا لا يتحدث أنصار نظرية المؤامرة عن غسل الأدمغة الذي نتعرض له فيما يتعلق بالحب؟ أليست مؤامرة على عقولنا أن نهيم مع سندريلا وهي تلهث خلف الأمير لماله وجماله وأن نتعاطف مع انتهازية الشاطر حسن وهو يسعى لتغيير طبقته الاجتماعية من خلال الزواج بابنة السلطان “ست الحسن والجمال”؟

من الذي زرع في عقولنا أن الانبهار بوجه جميل وجسد ممشوق أو ثراء واضح هو حب حقيقي وليس محض إعجاب يتغير مع الوقت؟ ومن أوهمنا أن الحب العظيم لابد أن ينتهي بالعذاب والفراق؟ من خلد في أذهاننا مآسي روميو وجولييت، و قيس وليلى فصرنا نتغنى بتلك القصص رغم سذاجتها؟

عندما ماتت فاتن حمامة ولحقها عمر الشريف بعد فترة وجيزة تباكى الناس على قصة حبهما وفاضت وسائل التواصل الاجتماعي بمشاهد من أفلامها القديمة، مجدنا حبهما رغم أنه انتهى قبل وفاتهما بسنوات دون مبالاة بمشاعر الرجل الذي شارك سيدة الشاشة حياتها حتى الرحيل، لم يسأله أحد كيف يشعر وكأنه لم يعش معها عشرات السنين. وقد قرأت حوارًا أجري معها قبل رحيلها وكان حديثها يفيض حبًا لزوجها الطبيب وكيف كانا يستمتعان في رحلات الصيد التي يقومان بها مع أصدقائهما. كانت تحبه وكان يحبها، لكن هذا الحب لم يعجبنا ولم يوافق مزاجنا السوداوي العجيب الذي لا يرى في الحب إلا لوعةً وفراق.

وقد أسعدني الحظ بالاقتراب من عبد الرحمن الأبنودي لفترة أثناء زياراته لدار الكتب المصرية ليجمع السيرة الهلالية ورأيت كيف كان يعشق زوجته السيدة نهال كمال فكان يمتنع عن تناول أي طعام حتى لا تغضب منه لأنها لا تأكل بدونه. كان حبهما قويًا وصمد في وجه كل من توقعون لهما الفشل. لماذا إذن لم تخلد الأغاني قصة الأبنودي ونهال؟ هل لأن حبهما انتهى بالزواج وليس بالفراق؟ لقد أثبتا أن الحب التزام وعشرة واحترام متبادل وهو بالطبع شيء لا يعجب المراهقين الذين يرون الحب ساعة غزل أو سهد ليلة!

ولماذا لا يخلد الشعراء حب أبي لأمي الذي لم يتغير بعد أربعين عامًا من الزواج؟ ربما لأن زواجهما التقليدي لا يغري صناع السينما بإنتاج فيلم عن قصتهما، ولكنه حب حقيقي لم يتبدل حتى بعد أن صارت قعيدة منذ سنوات ومازال يخدمها ويسهر على راحتها ويألم لألمها، لم تمنعه سنين عمره التي تجاوزت السبعين ولا مركزه الاجتماعي المرموق.

من المسؤول عن محاولة تخريب عقولنا وإفساد خيالنا وتصوير الحب على أنه مشاعر وقتية متقلبة مرتبطة بجمال الصورة بغض النظر عن الجوهر؟ إن الحب الذي يشتعل من مستصغر الشرر وينتهي في الظلام لا تكتب له النجاة وإن كتبوا فيه المعلقات.. أما الحب الذي ولد في النور وعاش فيه هو الحق والحقيقة.. فإلى متى تظل قصص الحب المضيئة منسية؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى