سياسة وتاريخ
أحدث المقالات

قراءة في كتاب “مدخل إلى دراسة التاريخ”

ورقة تقنية..

صاحب الكتاب: فريد بن سليمان
عنوان الكتاب: مدخل لدراسىة التاريخ
دار النشر: مركز النشر الجامعي
سنة الطبع: 2000
عدد الصفحات: 197صفحة
عدد الفصول: 7 فصول

√ من اهتم بالتاريخ أضاف إلى عمره أعمارا

√التاريخ قراءته حرفا ومعايشته فهما

يأتي كتاب مدخل لدراسة التاريخ في قالب تسهيل حرفة الباحث في مجال التاريخ ويخص الكتاب بالتخصيص الطالب، الذي تقف في وجهه تلة من القلاقل والصعاب التي تحول دونما إدراكه لأهمية التاريخ، وآليات حرفة المؤرخ والباحث، وعليه راهن المؤلف في كتابه على تسهيل تشعبات دراسة التاريخ؛ فوضع المؤلف بن سلمان على عاتقه تسهيل البحث وفي الوقت عينه تقديم أجوبة على مجموعة من الأسئلة التي تشغل بال الطالب.

ما التاريخ؟ ماهي الحقيقة التاريخية؟ ماهي حدود هذه الحقيقة؟ كيف يمكن بلوغها؟ ماهي القضايا التي تشغل بال المؤرخين اليوم؟ أي علاقة كائنة بين التاريخ والعلوم الأخرى؟ كيف كتب التاريخ عبر العصور وعند مختلف الشعوب؟

بادئ ذي بدء لم يفت المؤلف التونسي فريد بن سلمان أن يقدم نصيحة معرفية الى الطالب في شعبة التاريخ نظرا لأهميتها وحفظا للأمانة سأنقلها حرفيا: ” فطالب اليوم هو مؤرخ الغد إلا أن البون شاسع بين مرحلتي الدراسة والاحتراف في التاريخ وخلال هذا الفاصل الزمني الطويل يتلقى الطالب زادا معرفيا، ويتدرب على التعامل مع أصناف شتى من الوثائق.. فليس كل من يحاول الكتابة في التاريخ يصبح مؤرخا، فلابد أن تتوفر في المؤرخ الصفات الضرورية من الجد والصبر والحس النقدي المرهف، والتواضع العلمي”.

وها هنا يوقف الكاتب توطئة كتابه ويدخل غمار أرضية الفصل الأول: ما التاريخ؟

وقف المؤرخ على تعريف التاريخ عند مجموعة من المؤرخين فقدم جملة من التعاريف وخلص إلى ما يجمع عليه المؤرخين؛ التاريخ بحث واستقصاء حوادث الماضي. فالتاريخ بشري بالتعريف كما عند العروي، والإنسان محوره، ولم يرتق التاريخ إلى كذا تعريف إلا بعدما تجاوز تاريخ الأسطورة، كما لا يفصل التعريف عن الزمان، فالوعي البشري بالزمني وعي بالتاريخ، كما عند المؤرخ الألماني “كلير”، الذي قام بتقسيم ثلاتي للتاريخ، ومواطنه هيكل نفسه لايجد بدا من تعريف الزمن كما عرفه أرسطو فأقر هيغل، أن أبعاد الزمان ثلاثة: الحاضر، والمستقبل، والماضي.

ويشير المؤلف إلى التقسيم التاريخي الذي وضعه المؤرخون ملفتا أفهامنا إلى اختلافه من بلد الى آخر، وذك بتحكم الأحداث فأعطى نموذج تونس التي لايمكن إسقاط تقسيم معين عليها كالتقسيم الأوربي إذ يشترط في التقسيم أن يراعي خصوصية وطبيعة أحداث البلاد، يبقى المشترك في التقسيم بتغير الأحداث؛ عصور ما قبل التاريخ، العصر القديم، العصر الوسيط، العصر الحديث.

يحدد المؤرخون هذه الحقب التاريخية بعهود وفترات حكم معينة، كما يضع الامتداد الزمني لكل فترة من حيث البدء والانتهاء. ويعرج المؤلف إلى محور آخر عنونه بـ: ”من الخبر إلى التاريخ الجديد”.

اعتبر القدماء التاريخ مجرد سرد الأحداث الجليلة التي تستحق السرد فكانت الكتابة آنذاك تهتم بالجماعة لا بالفرد بما هو كائن. فحرفة المؤرخ كتابة كل مايقع دون إصدار أي ما أحكام تقييمية، وفي هذا الصدد يقول هونشو: “أن التاريخ ليس علم تجربة واختبار ولكنه علم نقد وتحقيق”.

كما صوب صاحب الكتاب منظاره على مجال المؤرخ، من حيث اتساع مجال الدراسات التاريخية فاهتمام المؤرخ في فترات كان محصورا في الوقائعي، والسياسي من التاريخ. لكن الآن تحول إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي وهذا التوسع نتيجة تعدد المصادر؛ الشفوية والمكتوبة.

مرورا إلى التاريخ بالحلم كما عند العروي، علاوة على استفاذكدة التاريخ من النقد الابستمولوجي، ووعي المؤرخ، وتأثر التاريخ ببعض مناهج العلوم الإنسانية، ليشمل بالتالي مجال المؤرخ علوما أخرى منها الآثار والفن والاقتصاد وغيرها.

التاريخ هو الذاكرة الجماعية للأمة أو القبيلة. فالتاريخ مقوماته أحداث، فما هو الحدث التاريخي؟

اعتبرت المدرسة الوضعية أن حرفة المؤرخ كامنة في جمع الأحداث وتبويبها، فالحدث مقدس والتأويل حر، لكن ماهو الحدث؟

الحدث هو مايراه المؤرخ حدثا تاريخيا، ويستحق أن يعتبر تاريخا، وهاهنا نتساءل حول الموضوعية التاريخية! لا ينفك المؤلف-المؤرخ من طرح الأسئلة والسعي إلى الإجابة عنها، ففي الفصل الثاني يقف على “فلسفة التاريخ”، مرجئ ظهور هذا المصطلح المركب إلى القرن 18 مع فيكو وفولتير، بيد أن مباحث فلسفة التاريخ تعود لأقدم من ذلك مع أغسطين، وبن خلدون، وميكيافلي.

فمثلا أغسطين كان تصوره أن التاريخ كله فترة من الزمن، تتحقق فيها إرادة الله، أي أن التاريخ تاريخ خلاص.

وقد شغلت مسألة فكرة التقدم في التاريخ أذهان جملة من المؤرخين والفلاسفة أمثال هيكل وتلميذه ماركس، فإن كانت الهيكلية ذات نظرة دينية في هذا الصدد، فالماركسية نظرتها قطرية كذلك، فالتاريخ عندها قائم على الجدلية والصراع، وعليه فسرت التاريخ بصراع الطبقات، أي العامل الاقتصادي، ملغية تماما الجانب الروحي في الإنسان.

أما الفلسفة المعاصرة فهي بنيوية في نظر برودل “فالتاريخ مجموع التواريخ الممكنة ” غير أن هذه البنيوية لم تستقر على حال، لتنتقل الى التفكيكية، أي القراءة التفكيكية للشاهدة، بعد القراءة التقليدية لها، فالبنيويون نسوا ماذا يعني النص -من مضمون -وهذا ما التفت له التفكيكون.

التاريخ عرف بروز فلسفتين ومنهجين مهمين؛  فلسفة نقدية واهتمت بالتفسير التاريخي، والموضوعي. في حين اهتمت الفلسفة التأملية بمسألتين: حركة التاريخ، ومعنى التاريخ.

إن حرفة المؤرخ لصعبة، إذ لا تاريخ بدون وثائق فكلما غابت الوثيقة يصعب الحديث عن التاريخ، وحتى بوجود الوثيقة يصعب في بعض الحالات على المؤرخ قراءة الوثيقة واستنطاقها، إذ لا بد أن يكون المؤرخ ذو نظرة نقدية ببعدها الخارجي والداخلي، فالبعد الأول تثبت من صحة الوثيقة، والثاني يشمل تأويل المؤرخ.

تتنوع الشواهد التي هي زاد المؤرخ في رحلته وبحثه عن المعرفة التاريخية ومن هذه الشواهد؛ النصوص والوثائق، وكتب التراجم والسير، والمراسلات والاتفاقيات، والدفاتر الجبائية، والصحف والوثائق السمعية، وغيرها.

من كل هذا على الطالب الدارس للتاريخ التدرب على منهج التحليل والدراسة، لمختلف الوثائق وطرق التعامل معها، كما لا بد أن تكون للدارس دراية بالاختلاف القائم بين منهجية النص التاريخي، ونص المقالة التاريخية، والنص الأدبي والفلسفي، وقد قدم صاحب الكتاب معلومات في صدد تحليل النص التاريخي وخطوات ذلك.(ص49-53). وكذا قدم كيفية دراسة الخارطة التاريخية ناهيك عن تقديم صاحب المدخل لما يحتاجه الطالب من زاد لدراسة التاريخ الحديث والمعاصر أو الوسيط. وتجدر الإشارة إلى اختلاف مكانيزمات وطرائق وآليات دراسة كل عصر.

وقد انتقل المؤلف إلى معرض الحديث عن الكتابة التاريخية التي يحسبها قد ظهرت في البدء عند الشعوب الشرقية مرجع ذلك إلى النصوص السومرية القديمة، أما في الغرب فقد ظهرت الكتابة عند اليونان، ثم عند الرومان، الذين صوروا بكتاباتهم ملاحمهم ومعاركهم التاريخية.

إن من أبرز مؤرخي الحقب القديمة توسيديداس وهيردوت وكزينفون. أما الكتابة عند العرب فقد تضمنت كتابة الحوادث الماضية فعرف العرب بالرواية الشفوية أو ما يسمى “أيام العرب” ومن الذين اهتموا برواية الأخبار قبل الإسلام نلفي وهب بن منبه اليمني، ومحنف الأزدي في الإسلام.

وفي العصر الحديث تعددت المدارس التاريخية، مما أعطى للتاريخ وجها آخر في التدوين والكتابة. فقد استقوت كذلك فلسفة التاريخ في بحثها عن معنى للحياة البشرية، وبحلول عصر الأنوار تبلورت هذه الإرادة، عند عدة مؤرخين، وفلاسفة، فتعددت المدارس التاريخية، فظهرت المدرسة الوضعية أواخر القرن 19، أرادت هاته المدرسة بلوغ الموضوعية المطلقة في مجال التاريخ من خلال البحث ونقد الوثائق، من روادها فان رنك، بيد أن هذه المدرسة كانت تدعم النظام الاستعماري وتبرر ذلك على أن الاستعمار رسالة حضارية تقوي المستعمرات، فظهرت الحوليات كردة فعل على المدرسة الوضعية.

ومن أبرز رواد الحوليات لوسيان فيفر وقد ركزت هذه المدرسة على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أهمية الوثائق الأثرية التي اهملتها المدرسة الوضعية، والانفتاح على مجموعة من العلوم الأخرى.

وعابت على المدرسة الوضعية انحيازها الإيديولوجي، وعدم موضوعيتها التي دعت لها سالفا، أما المدرسة الماركسية فقد ظهرت مع عالم الاقتصاد الألماني كارل ماركس وهي تفسر الأحداث التاريخية انطلاقا من الصراع الطبقي، فكانت عند هذه المدرسة التناقضات هي أساس تحرك التاريخ، مهملة بذلك العامل النفساني ومكانته في تفسير الحدث التاريخي. انتقدها كثيرون من حيث إيمانها بالحتمية التاريخية وكذا تزمتها ونظرتها الأحادية في التفسير، (الاقتصاد)، ضاربة بالعامل الروحي عرض الحائط كدافع للحياة الاجتماعية.

أما المدرسة الاستشراقية فاهتمت بالشرق وحضارته، واللغة العربية، وتطورت هذه الحركة الاستشراقية نتيجة العامل الاستعماري، فعملت على الترجمة والدراسات التاريخية لمنطقة الشرق خاصة.

ومن الاتجاهات الحديثة التي وقف عندها المؤلف المدرسة البنيوية التي فات أن وقفنا عندها علاوة على الاتجاه الأصولي والاتجاه الوطني على مستوى العالم العربي والاتجاه القومي. وقد استفاد التاريخ استفادة لابأس بها من التداخل والتمازج الذي حصل بينه وبين بقية العلوم الأخرى، التي كانت تزوده بجزء كبير من مادتها، وهو ماعرف بانفتاح المادة على العلوم الرديفة، وقد دعت لهذا مدرسة الحوليات وتحقق ذلك مع تقدم العلوم الانسانية والاجتماعية.

فهناك علاقة وثيقة كائنة بين التاريخ وعلم الآثار وكذا الاقتصاد والديمغرافيا والأدب وغيرها من العلوم. من كل هذه المدارس وتداخل العلوم وتعدد طرائق البحث عند المؤرخ تبقى إشكالية الموضوعية تأكل وتنخر المضمون، ناهيك عن إشكالية ماهية التاريخ.

فلازال التاريخ أو المؤرخ بالأحرى يقف على هذه الإشكالات ويحاول تقديم ما يحلها وأن لايكون طرفا فيها. إضافة إلى الأزمة التي يعانيها التاريخ اليوم والتي يرجعها البعض إلى الصراع القائم بين المدرسة الفرنسية والأنجلساكسونية.

يختم المؤلف كتابه بالحديث عن مؤرخ الغد وأي صورة؟!

فيترك صورة متفائلة سنحفظ منها قوله: “مؤرخ الغد سيكون أعلم منا و أكثر منا اطلاعا”. تطلعه المتفائل هذا قائم على عدة اعتبارات، وما أحوج باحث التاريخ اليوم إلى كذا نظرة تفائلية تعيد فيه حب الحرفة والمادة، وجبروت السؤال.

لا يفتنا الإشارة أخيرا إلى أن الكاتب قدم أنهى كتابه بعشرين ملحق اختلفت مواضعيها بين المعرفة التاريخية والمنهج في التاريخ، والموضوعية وهلم جرا.
هاهنا أتخذ – أنا- مسافة من الكتاب وأجمع شتات ماقرأته كباحث مبتدأ فأقول: الكتاب كان عنوانه مدخل إلى دراسة التاريخ وفعلا قوم اعوجاجا كدت أستمر فيه.
ختاما: أسأل الرحمان أن يوفقنا إلى ما يرضاه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى