ثقافة وفنون

قراءة في كتاب “الحدث ووسائل الإعلام”

يحمل الكتاب عنوان “الحدث ووسائل الإعلام” لصاحبه “خالد طحطح”[1]، وهو صادر عن المجلة العربية 260، يتكون الكتاب من ثلاث فصول بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.. ويحمل كل فصل عنوانا خاصا به ويتطرق إلى جانب محدد من الموضوع، حيث يتم تقسيم كل فصل إلى نقط أساسية.

يعالج الكتاب موضوعا أصبح حديث العصر، لما يشكله من أهمية وتأثير على مختلف المجالات، فيحاول الكاتب أن يناقش، من خلال طرح العديد من الأمثلة والقضايا، كيف أصبحت وسائل الإعلام تتحكم في الأحداث فتجعل منها أحداثا بالغة الأهمية أحيانا، وأحداثا مهمشة أحيانا أخرى.. إضافة لكونها تتحكم في وجهة نظر المتلقي عبر الصور التي تعرضها وطريقة بث المعلومات التي تلجأ لها، لتجعل المشاهد يتبنى فكرة تخدم، ربما، جهات معينة.

إن ما يضفي على هذا الكتاب أهمية إضافية، هو أنه حديث النشر وبالتالي فهو يعالج موضوعا يهم واقعنا الحالي وينطلق في بحثه من خلال هذا الواقع، أيضا فقد كانت له فرصة الاطلاع على مجموعة من الأحداث والنتائج المترتبة عنها، من أجل عرضها وتحليلها بشكل موضوعي أكثر.  وهذا ما سنتطرق له بشكل أكثر تفصيلا أثناء عرضنا لمضامين الفصول.

مضامين الفصول:

  • الفصل الأول:[2]

يحمل هذا الفصل عنوان “الحدث وتاريخ الزمن الراهن”، حيث يتطرق من خلاله إلى دور وسائل الإعلام في إحداث تحول في مفهوم الحدث وتطور في عمل المؤرخ الذي أصبح مطالبا بكتابة تاريخ الزمن الحاضر، فنحن لم نعد نطلع على الأحداث كتاريخ ماضي بل “أصبح المواطن يعيش تحت وقع الأحداث المباغتة”[3]  وفي خضمها، فالمجتمعات الحالية تتابع الأحداث بشكل مباشر وآني، حيث تجدها تتبع ما يحدث في العالم لحظة بلحظة، ويذكر هنا الكاتب على سبيل المثال أحداث 11 شتنبر وكذا الثورات العربية، هذان الحدثان اللذان تابعهما المشاهدين من مختلف أنحاء العالم بشكل مباشر بالصوت والصورة.

يضيف الكاتب خالد طحطح أن هذا المفهوم الجديد، أي ما يسمى بالتاريخ الراهن، أصبح أحد اهتمامات المؤرخين، خاصة مع إنشاء مجموعة من المعاهد التي تهتم بالأبحاث والدراسات المتعلقة بالفترة الراهنة، وكذلك الوقائع التي حدثت في الأمس القريب ولازالت آثارها تخيم على الحاضر، ويرجع ذلك، حسب المؤلف، أنه “حين يتحول الحاضر إلى الشغل الشاغل للأفراد وجب على العلوم الإنسانية ومن بينها التاريخ أن تدرجه ضمن أولوياتها”[4]، ويستغل الفرصة لإعطائنا مجموعة من المعلومات عن أحد هذه المعاهد.

يشير إلى أنه في هذا السياق جاء ما يسمى بهيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب، والتي كان من بين أهدافها المصالحة مع التاريخ وإزالة العراقيل التي تمنع من البحث فيه، فعملت على التحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتي عانى منها العديد من لمعارضين السياسيين خلال ما يطلق عليه بـ “سنوات الجمر والرصاص”، كما  اتخذت مجموعة من التدابير في إطار ما يسمى جبر الضرر.

ينتقل بعدها الكاتب خلال هذا الفصل إلى مناقشة فكرة أن السياسيين يتدخلون في كتابة التاريخ، مؤكدا على أن ذلك صحيح تماما، رغم أن المؤرخين يرفضونه، وعندما تكون القضايا تندرج في الزمن القريب فإنه يصعب التحرر من الضغوطات السياسية، ويقدم لنا هنا مثالا بمجزرة إبادة الأرمن على يد الإمبراطورية العثمانية، وأيضا محرقة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية من طرف النازية، حيث يوضح كيف أن هذه القضية الأخيرة لازالت لحدود اللحظة غير قابلة للتشكيك في الدول الأوروبية، كما لازالت تتحكم في السياسة الألمانية التي تحمي وتساند إسرائيل كتكفير عن ذنبها تجاه اليهود.. وبالتالي فالتعامل مع التاريخ الراهن يطرح عدة صعوبات، كانت هذه أولها، ويضيف إليها غياب البعد التاريخي الضامن للموضوعية التاريخية، صعوبة إيجاد مصادر متنوعة وخاصة المصادر الشفوية للشهود العيان، صعوبة تحليل وتأويل الحدث الآني الذي لا نعرف بعد نهايته ومآله وانعكاساته على مجرى الأحداث، وأخيرا التخوف من التداخل بين التاريخ والصحافة والعدالة أحيانا.

إذن؛ فالفصل الأول قد ضم بين ثناياه مضامين مهمة وتعريفا بمفاهيم جديدة ظهرت لنا مع تطور وسائل الإعلام والتواصل، التي كان لها الدور الأكبر في إعادة البريق للراهن وللحياة اليومية، لدرجة أصبح الاهتمام بهما ضرورة تفرض نفسها.

  • الفصل الثاني: [5]

يحمل هذا الفصل عنوان “وسائل الإعلام وصناعة الحدث”، ويعالج من خلاله الكاتب مجموعة من القضايا التي تربط بين وسائل الإعلام وبعض الأحداث، فالتطور أو الثورة التكنولوجية التي عرفتها وسائل الاتصال والتواصل جعلتها متعددة النشاطات، أو بالأحرى، تضم بداخلها نشاطات مختلفة مثل الإعلام، والدعاية، والترفيه[6].. كما أصبحت تتحكم في ما هو سياسي وثقافي أيضا، بل نجد أن وسائل الإعلام المرئية، كالتلفاز مثلا، تؤثر بشكل كبير على تشكيل الرأي العام، بعدما أصبح الوسيلة التي يطل من خلالها الجميع على العالم ويتابع من خلاله الأحداث بالصوت والصورة. ورغم كونه كان في بدايات ظهوره فقد تسبب هذا الجهاز، حسب الكاتب، في أول هزيمة عسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في حرب الفييتنام، حيث بسبب مشاهد الحرب التي تم نقلها عبر المباشر فقد الرئيس جونسون تأييد الشارع واضطر للانسحاب.[7]

أدى هذا التطور والانتشار السريع لوسائل الإعلام، وأيضا الأهمية التي أصبحت تحتلها في الحياة اليومية بحيث أصبح من الصعب؛ بل من المستحيل الاستغناء عنها، إلى جعلها عرضة للاستغلال من طرف الدول والشركات الرأسمالية الكبرى، فتحاول أن تجعلها تخدم مصالحها السياسية، الاقتصادية، الفكرية والتجارية.. وبناء على هذه المصالح يتم تهميش أحداث وإقصاؤها، كما يتم في المقابل انتقاء أحداث أخرى والتركيز عليها حتى تخلق ضجة عالمية وتصبح حديث الساعة في كل مكان، بالإضافة إلى ذلك يتم إعادة إحياء أحداث قديمة كلما دعت الضرورة لذلك، ولعل معاودة ظهور الأفلام والرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، من حين لآخر، أبرز مثال على ذلك.

يستغل هذا الحدث من أجل خلق صراع وهمي بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، حيث أن إعادة إحياء هذه القضايا لا يكون له أي فائدة، فتلك الأفلام أو الرسومات هي موجودة وستظل كذلك، كل ما نفعله هو إعادة تسليط الضوء عليها وبسبب ردود أفعالنا تصبح أكثر مشاهدة، مع العلم أن هذا الأمر ليس حديث الظهور، فمنذ القدم كانت هناك إساءات للرسول والإسلام من طرف رجال الدين المسيحيين لكنها لم تكن تحدث هذه الضجة الكبيرة، فهل هذا يعني أن القدامى كانوا أكثر تسامحا منا، أم أنه لم تكن حينها وسائل متطورة تسهل استغلال مثل هذه القضايا لصالحها؟ إضافة ما الهدف من عودة مثل هذه الأحداث للواجهة في حين أن هناك قضايا أخرى ذات أولوية وجب على وسائل الإعلام التركيز عليها؟

وفي هذا السياق، نجد أن الإعلام يقوم أحيانا بتزييف الحقائق، ويقدم لنا الكاتب هنا نموذج المترجم الإيراني الذي حرف كلمة الرئيس محمد مرسي وكذا كلمة الأمين العام للأمم المتحدة، كما يذكرنا بالإشاعات التي صدرت بخصوص مثلث برمودا، حتى أصبح أسطورة غامضة ثبت فيما بعد عدم صحة معظم ما قيل عنها، وهذا يعرض مجموعة من الأحداث الأخرى للشك مثل قضية نزول الإنسان على القمر، هذا الحدث الذي يلفه-حسب الكاتب- غموض كبير ويشك فيه العديد من المحللين، وبصفة عامة فالأحداث العسكرية والأمنية في جميع الدول، دائما ما يشوبها غموض وتكون في أغلبها معرضة للتزييف والتزوير، ولعل قصة مقتل أسامة بن اللادن أبرز مثال على ذلك.

إذن؛ فكل ما سبق ذكره يشير إلى أن وسائل الإعلام أصبحت تلعب دورا رئيسيا في العديد من الأحداث، فمنها ما تعيد إحياءه، ومنها ما تهمشه مثل احتجاجات بعض الطلبة في أحد المؤسسات الجامعية الفرنسية، ومنها ما تساهم في نجاحه وإبرازه للعموم مثل الثورات العربية، ببساطة فهذه الوسائل تنقل لنا التاريخ الآني وتضع المتلقي أمام مجموعة من الأحداث بحيث يصعب التمييز بين ما هو مهم فعلا وبين ما ليس له أية أهمية، فهي تعرضها حسب خلفيتها أو بما يخدم مصالح جهة معينة، حيث يمكن أن “نتحدث اليوم عن توتاليتارية الإعلام، فالذين يمتلكونها ويحتكرون رأسمالها، قد يتلاعبون بالحدث كما تتلاعب الشركات العملاقة-عبر المضاربة- بأسهم البورصات.”[8] مما يجعلنا نتساءل هل نحن الآن، في عصرنا الحاضر، أمام صناعة وفبركة للحدث في وسائل الإعلام؟

[1]خالد طحطح، الحدث ووسائل الإعلام، مجلة العربية؛ 260، الرياض، 1439

[2]خالد طحطح، الحدث ووسائل الإعلام، ص13

[3]المرجع نفسه، ص 13

[4] المرجع نفسه، ص 14

[5]خالد طحطح، الحدث ووسائل الإعلام، ص39

[6] انطر المرجع نفسه، الصفحة نفسها

[7]انظر خالد طحطح، الحدث ووسائل الإعلام، صص 59/60

[8] انظر خالد طحطح، الحدث ووسائل الإعلام، ص 55

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق