ثقافة وفنون

قراءة في كتاب “الحدث ووسائل الإعلام” (2)

سبق أن عرضنا في الجزء الأول لهذا المقال تحليلاً للفصلين الأول والثاني من هذا الكتاب، أما في هذا الجزء فسنقوم بتحليل الفصل الأخير، بالإضافة للقيام بدراسة نقدية لهذا الكتاب من وجهة نظرنا المتواضعة.

[1] الفصل الثالث

يندرج هذا الفصل تحت عنوان “الحدث وتأويلاته”، يتناول من خلاله الكاتب ثلاث أحداث رئيسية، فيتطرق إلى تأويلاتها ومختلف الآراء التي برزت حولها.

يبدأ المؤلف فصله بالتطرق لأحد الأحداث الذي أخذت بعداً عالميًا، بل لازال العالم يعيش على وقع آثاره إلى يومنا هذا.

11 سبتمبر 2001، لم يكن يوماً عادياً بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، بل بالنسبة للعالم بأسره،  حيث شهد اصطدام طائرتين بمركز التجارة العالمي، وانهيار أبراج عملاقة مما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا، ليتم بعد وقت قليل إعلان أن ما حدث كان عملية إرهابية تحمل مسؤوليتها تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن اللادن، هذا ما أعلنته وتناقلته وسائل الإعلام التي صبت تركيزها الكامل حينها على الحدث وأبعاده.

يعرض خالد طحطح في هذا الفصل قراءات متعددة ومختلفة لهذا الحدث، كان أولها للكاتبين ألبان بنيسا وإريك فاسان، واللذان يعتبران أنه ينبغي تجنب القراءات الاستهلاكية للحدث، حيث ينبغي ربطه بسلسلة من الأحداث التي ربما وقعت منذ عشرات السنين من أجل فهمه واستيعابه، وإذا ما فعلنا ذلك سنجد أن 11 سبتمبر لم يكن بداية مرحلة جديدة كما أرادت وسائل الإعلام أن تظهر لنا، بل هو في حد ذاته نتيجة من نتائج الحرب الباردة وأحد مخلفاتها، فهو لم يكن الهجوم الوحيد، بل جاء في سياق هجمات أخرى تعرض لها سواء جنود أمريكيين أو منشآت أمريكية.

في هذا السياق، يعتبر جاك دريدا أن حدث 11 سبتمبر لم يكن حدثًا عظيماً، حيث أنه لا تتوفر فيه الشروط التي يمكنها أن تجعله كذلك، بل وسائل الإعلام هي من قامت بتعظيمه عن طريق التركيز عليه بشدة، وساعد في ذلك سطوة الصورة والمؤثرات الصوتية، إلى أن أصبح وشمًا كبيرًا في ذاكرتنا.

ويضيف دريدا أن الحدث كان متوقعاً، فقد كانت هناك مؤشرات بوجود تنبؤات سابقة بإمكانية تعرض بعض المنشآت الأمريكية للهجوم.

إذن؛ فكلا الرأيين يتفقان في أن ما حدث في 11 سبتمبر ما كان ليمر بنفس الطريقة لو لم تعمل وسائل الإعلام على تضخيم الحدث والمبالغة في نقل أخباره بشكل مستمر، لدرجة أصبح معها الناس يتابعون النشرات الإخبارية المتتالية من أجل فهم ما حدث ومن يقف وراءه، فقد كان من الممكن أن يمر هذا الحدث مثلما مرت مجموعة من الأحداث الأخرى التي تجاهلها الإعلام، والتي ربما كانت أكثر أهمية.

فالعالم يعرف أحداث عنف بشكل يومي تقريبًا، ويكون عدد ضحاياها أكبر بكثير من أحداث 11 سبتمبر، لكن مع ذلك لا يعيرها الإعلام أي اهتمام، بل حتى أن مفهوم “الحرب على الإرهاب” التي بدأتها معظم الدول بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وعبأت لها مختلف وسائل الإعلام، كلف ضحايا وأرواح أكبر مما سقط خلال اصطدام الطائرتين بالبرجين.

نتج عن كل هذا أن مفهوم الإرهاب لم يعد له معنًى محددًا، فالدول المستعمرة تعتبر من يقاومها إرهابي، والشعوب تعتبر مستعمرها إرهابي، أما وسائل الإعلام فتتغاضى عن الإرهاب الممارس من طرف الدولة، تتغاضى عن أحداث أشد مأساوية، فقط لأنها لا تخدم مصالح جهات معينة، تتجنب التطرق إلى أسباب الإرهاب الحقيقية والتي تتمثل في السياسة الخارجية التي تبنتها أمريكا، فالحروب التي خاضتها الدول الإمبريالية فوق أراض خارج ترابها، والقمع الذي مارسته في حق شعوب دول أخرى، لم يكن لينتج عنه سوى تغذية للحقد والكره تجاه الدولة التي تلعب دور الشرطي المتحكم في العالم، هذا الكره الذي من الممكن أن يتجسد في عدة أشكال أبرزها ما يسمونه “الإرهاب”، وهذا يجعلنا نتساءل، أليست وسائل الإعلام هي التي اخترعت الإرهاب؟ أليست النصوص والمواضيع التي تنتجها هي ما يحرك مشاعرنا وليس الحدث نفسه؟

أما الحدث الثاني الذي تطرق له الكاتب في هذا الفصل فقد كان هو ثورة مايو 1968، والتي كانت عبارة عن انتفاضة شبابية طلابية انطلقت من المؤسسات الجامعية والمدارس الفرنسية، لينضم لها فيما بعد العمال ومجموعة من الفلاسفة والمثقفين، ويعد هذا أكبر احتجاج في تاريخ فرنسا، فقد انطلق من مؤسسات تنتشر فيها أفكار تيارات تجسد راديكالية الاحتجاج.

توضح لنا هذه الانتفاضة أن أهم خصائص الأحداث هو صعوبة توقعها، أو إدراك مآلاتها ونتائجها، كما أنه من الصعب التحكم فيما ستؤول إليه، حيث أن الحدث، حسب ميشيل فوكو “دائم التشتت، هو ما يحدث هنا وهناك، إنه متعدد الرؤوس، إنه مثل المخادع بروتيوس، القادر على التكيف مع الأوضاع المختلفة، لطبيعته المتغيرة باستمرار”[2]، فثورة مايو 1968 كانت غير متوقعة، كما كانت نتائجها خارج المتوقع، حيث انطفأت شرارة الاحتجاجات مع مرور الوقت، رغم أن حماسة المحتجين وشعاراتهم كانت تدل على احتمالية حدوث تغييرات سياسية، لكن الشعب الفرنسي وجد نفسه فيما بعد أمام أكثر البرلمانات رجعية.

تمت إعادة فتح النقاش حول انتفاضة ماي  1968 الفرنسية بعد مرور أربعين سنة عليها، ليطرح السؤال ما الذي حدث حينها؟ ما هي مآلاتها؟ وما الذي بقي منها اليوم؟ فهناك من اعتبرها كانت مجرد هيجان كرنفالي للشباب داخل المجتمع الرأسمالي، وهناك من تحدث عن ثورة مجتمعية حقيقية، أو بالأحرى، عن انتصار ثقافي استطاع جعل الناس يعيدون النظر في العديد من المفاهيم، كما برز بعدها تيارات فلسفية حسمت مع العديد من الأفكار التي كانت تتبناها قبل مايو 1968، ولعل إعادة فتح النقاش اليوم يتزامن والوضع الذي يعيشه العالم لنتساءل هل فعلًا تغير شيء ما؟

أما الحدث الثالث والأخير، فهو الثورات العربية، أو ما يصطلح عليه ب “الربيع العربي”.

لم تكن هذه الثورات متوقعة من طرف أي كان، بل شكلت مفاجأة لجميع المتتبعين، سواء كانوا محللين سياسيين، أو إعلاميين، أو حتى رؤساء دول، غالباً ما كان ينظر للدول العربية على أنها بعيدة كل البعد عن التغيير، حيث أن الوضع فيها ثابت وخاضع للسيطرة من طرف الأنظمة الحاكمة، بالإضافة لكون هذه الثورات تم تزعمها من طرف فئات شابة، التي كان يعتقد أنها لا تعطي أي اهتمام للشأن السياسي.

عرفت سنة 2011 انطلاق مجموعة من الاحتجاجات التي بدأت من تونس، لتنتقل بعد وقت وجيز إلى دول أخرى مثل مصر، وليبيا، وسوريا، وتعد وسائل الاتصال والتواصل المساهم الأول في هذا الانتشار السريع، حيث أنه بواسطة التغطية المكثفة التي قامت بها وسائل الإعلام، أثرت بشكل كبير على مجريات الأحداث، وقد ساعد على ذلك التطور الذي عرفته هذه الوسائل في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت متنوعة ومتعددة مما يسمح بنقل الخبر عبر العديد من المصادر؛ الشيء الذي يضمن وصوله لأكبر عدد من المشاهدين وبأكثر من طريقة.

عانى المجتمع العربي لمدة طويلة من غياب تام لحرية الصحافة، فقد ظل الإعلام العربي لسنوات خاضعًا لرقابة مطلقة من طرف الأنظمة الحاكمة، فقد كان المواطن العربي يجهل معظم الأحداث التي تقع بربوع بلاده، إن كانت تسيء أو لا تخدم مصلحة النظام القائم، لكن مع تعدد المحطات التلفزيونية، ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبح الوصول للمعلومة أسهل، وأصبحت قدرة الأنظمة على التحكم في نقل الأحداث محدودة عكس ما كانت عليه في الماضي.

إذن؛ فإن الوسائل السالفة الذكر ساعدت بشكل أو بآخر في الحفاظ على صخب الثورة، وتغذية حماس الشباب الثائر الذي كان يتوق إلى الحرية والكرامة، عبر ربط التواصل بين الثوار المتواجدين في الشوارع، وأيضاً نقل أخبارهم للمتواجدين حتى خارج تلك البلدان.

كان المشاهد العربي بفضل الإعلام يعيش الأحداث لحظة بلحظة، يتابعها خطوة بخطوة، يخاف على الثورة ويتمنى نجاحها، يتعاطف مع الثوار ويساندهم، كل ذلك كان له دور في جعل تلك الثورات تحقق، على الأقل هدف جزئي من الأهداف التي اندلعت من أجلها، كان له دور في جعلها تستمر عكس مجموعة من الاحتجاجات الأخرى التي لم تحظ بتغطية إعلامية كافية، ورغم أنه لازالت العديد من الأسئلة تطرح حول مدى النجاح الذي حققته هذه الثورات، أو هل هي حقاً ثورة أم مجرد انتفاضة، خاصة بالنظر إلى الوضع الذي أصبح يعيشه المجتمع العربي في الوقت الراهن.

في هذا السياق، يتطرق الكاتب إلى فكرة مهمة مفادها أن مجموعة من الوقائع عاشها العالم العربي لكن مرت دون أي أثر يذكر، نظرًا لأن الإعلام لم يتطرق لها، وبالتالي فالمواطن لم يعلم بها أصلًا، ومن هنا نستنتج أن الوقائع لا تصبح أحداثاً إلا بعد معرفتها، ويستشهد الكاتب هنا بمجموعة من الوقائع لم تتحول إلى أحداث إلا بعد مرور سنوات؛ مثل مجزرة “أبو سليم” التي نفذها النظام الليبي في حق آلاف الأشخاص، أو مجزرة “حماة” التي قام بها النظام السوري.

تطرح مجريات أحداث الثورات العربية والنتائج التي وصلت لها في يومنا الحاضر العديد من الأسئلة، فقد تبددت فجأة أحلام مجموعة من المحللين السياسيين والمثقفين الذين اعتقدوا أنه لابد أن تتغير مجموعة من الأشياء في الوطن العربي بفضل هذه الاحتجاجات والانتفاضات، لكن نجد أن الوضع يتجه من سيء إلى أسوأ، بل إن العالم العربي في مأزق خطير بسبب الصراعات الطائفية والحروب الأهلية التي أصبح يعيشها، بل لم تتحقق أي تغييرات لا على المستوى الاجتماعي أو المستوى السياسي، ولازال المستقبل مبهمًا بالنسبة لمجموعة من الدول.

قراءة نقدية للكتاب:

تطرق الكاتب في مؤلفه إلى مجموعة من الأفكار، ومدنا بمجموعة من المعلومات ووجهات النظر التي لم نكن على دراية بها، أو ربما لم نفكر فيها من قبل، ولعلنا نتفق معه في مجمل ما قاله حول الدور الكبير الذي أصبحت تلعبه وسائل الإعلام في حياتنا اليومية، والتأثير الذي تقوم به على مجريات الأحداث، لكن لاشك أنه ستكون لنا قراءة نقدية لهذا الكتاب، أو بالأحرى بعض النقط التي نعتقد أنه من الضروري الإشارة لها، وسنلخصها فيما يلي:

  • يتناقض الكاتب في بعض أرائه، وخاصة فيما يخص حدث 11 سبتمبر، حيث يشير أحيانًا إلى أنه لم يكن متوقعًا، ويشير أحيانًا أخرى إلى أنه كان متوقعًا، وأنه كانت هناك مجموعة من الدلائل التي تبين احتمالية حدوثه، بالإضافة إلى تناقضه بخصوص الثورات العربية، ففي بداية كتابه تحدث عن نجاحها، أما فيما بعد سيتحدث عن المأزق الذي يعيشه العالم العربي الآن، مما يجعلنا نتساءل: هل يمكن فعلا الحديث عن نجاح الثورات العربية حاليًا؟
  • يظهر في الكتاب بمظهر المدافع عن الإرهاب أو كأنه يحاول تبريره عن طريق اعتباره كأي عنف آخر.
  • يتحدث الكاتب عن 11 سبتمبر كأنه حدث كان يستهدف العالم العربي، وقد يكون ذلك صحيحاً، لكنه مع ذلك أغفل ذكر مجموعة من الآراء الأخرى التي ناقشت الموضوع وتطرقت إليه.
  • نجد أن الكاتب يكرر العديد من الأفكار في نفس الفصل، وأحياناً قد يعيد الحديث عن نفس الفكرة دون أي إضافة، مما قد يشتت انتباه القارئ، خاصة عندما يتعلق الأمر بأحداث ووقائع.
  • يذكر الكاتب مجموعة من الآراء لمفكرين آخرين دون أن يبدي رأيه فيها؛ ليظهر للقارئ هل هو متفق معها أم يعارضها.
  • نجد أن الكاتب يفصل في بعض الأحداث بشكل كبير، مما يجعلنا ننسى الموضوع الرئيسي للكتاب والذي هو علاقة وسائل الإعلام بالحدث.
  • يظهر أحيانًا بشكل جلي أن الكاتب لا يكون موضوعيًا أثناء طرحه أو مناقشته لبعض الأحداث، فيبدو منحازًا لطرف دون آخر مما يؤثر على المتلقي.

من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن للكاتب مميزات عديدة، أهمها عرضه السلس لمجموعة من الأفكار، فيستطيع بذلك أن يجذب القارئ ويحمسه لإتمام قراءة المؤلف، كما أنه يستطيع أن يجعله -عن طريق المواضيع التي يتطرق لها- يعيد التفكير في العديد من الأمور، وإعادة النظر في مجموعة من الأحداث، بل والنظر لها بشكل جديد ومختلف.

إن الموضوع الذي يعالجه هذا الكتاب قد تطرق له مجموعة من الباحثين الآخرين في العديد من المؤلفات، لهذا السبب وجدنا أنه سيكون من الجيد أن نعقد مقارنة بينه وبين أحدها، ليتبين لنا مدى الاختلاف أو التشابه بين مجمل الآراء التي طرحت حول هذا الموضوع، ويتعلق الأمر بكتاب يحمل عنوان “المتلاعبون بالعقول” لصاحبه هربرت أ. شيللر وترجمة عبد السلام رضوان.

[1] خالد طحطح، الحدث ووسائل الإعلام،، ص 65

[2]  المرجع نفسه، ص 85/86

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق