ثقافة وفنون

قدوتي “ثروت أباظة”

تحتفظ ذاكرتي بعناوين لمقالات وتحقيقات صحفية مختلفة قرأتها في جرائد ومجلات مصرية وعربية ترفض دائمًا أن تغادرها، ومن بين هذه المقالات مقال للكاتب الساخر والسيناريست، بلال فضل، بعنوان “قدوتي إبراهيم نافع” نشره في جريدة الدستور عام 2006، وهو المقال/العنوان الذي قفز إلى عقلي عندما انتهيت من قراءة الفصل الثامن عشر من كتاب “كتاب النميمة” للكاتب الكبير الراحل سليمان فياض، عنوانه “عجل جسد له خوار”.

الفصل يتحدث عن بعض مواقف وأحداث كاتب وروائي بدون ذكر اسمه، لكن القارئ ببساطة شديدة ودون مجهود كبير يستطيع أن يعرفه، ألا وهو الكاتب والروائي الراحل، ثروت أباظة، والذي رحل عن عالمنا في مارس 2002، بعد حياة “حافلة” و”مثيرة”!

ومثلي مثل غيري من المتابعين لأحوال الوسط الثقافي والأدبي في مصر كنت أعرف -مسبقًا- جزءًا من قصة هذا الكاتب وبعضًا من مواقفه وآرائه، لكن بعد أن انتهيت من قراءة ما كتبه “فيّاض”، وجدتني أبحث في سيرة ومسيرة “ثروت أباظة” وأدبه وأفكاره، من خلال ما كتبه هو عن نفسه أو ما كتبه الآخرون عنه. ولا أدعي هنا أنني قرأت كل شيء عنه، ولكنني حاولت بقدر الطاقة والجهد أن أحيط ببعض ما لم أكن أعرفه عن الرجل، الذي كان ولا شك، وكما وصفه المفكر الراحل د. جلال أمين، بأنه “ظاهرة” في حياتنا الثقافية والأدبية منذ السبعينيات وحتى وفاته في بداية القرن الواحد والعشرين.

وعلى الفور تذكرت مقال بلال فضل المذكور، وسعدت جدًا أن “حظي” كان أفضل كثيرًا من “حظه” عندما عثر ذات يوم في مكتبة الأديب الراحل، علاء الديب، على كتاب “إبراهيم نافع-القدوة”، كتبه شخص اسمه محمد عبد العال، والذي عرفناه بعد ذلك كرجل أعمال وسياسي و”كاتب” تم اتهامه في قضايا فساد مختلفة. فعلى الأقل كان سبب إقدامي على البحث عن ثروت أباظة فصل في كتاب لواحد من كتّاب ومبدعي مصر المشهود لهم والمعترف بهم في أدبه وثقافته.

وهكذا بدأت رحلتي مع ثروت أباظة

أول ما يلفت النظر في سيرة الكاتب المذكور هو ذلك “النجاح” الباهر الذي حازه في حياته، رغم أنه لم يكن -في أعماله الأدبية المنشورة- بقوة وثراء كثير من أدباء ومثقفي مصر، من حيث المكانة التي حصل عليها، حيث كان مثلًا لمدة عشرين عامًا يكتب مقالًا أسبوعيًا في أكبر جريدة مصرية (الأهرام)، كما كان رئيسًا لاتحاد الكتاب لفترة طويلة، ووكيلًا لمجلس الشورى (طيب الله ثراه)، وهو أمر يفسره جلال أمين، في مقالتين له، أن ذلك لم يكن ليحدث في أي دولة من دول العالم سوى مصر، حيث لا زالت بعض الموروثات الاجتماعية، المجاملات مثلًا، في المجتمع المصري بكل أطيافه، وهو الأمر الذي يفسر “مكانة” ثروت أباظة، بالقياس على “إبداعه”، وهو إبداع يمكن أن يحصل على درجة متوسطة على الأكثر.. وهذا هو الدرس الأول الذي جعلني أتخذه “قدوة” لي، ففي مصر لا يُشترط أن تكون مبدعًا حقيقًا أو كاتبًا ملهمًا كي تتصدر المشهد كله!

ومن زاوية أخرى فإن قارىء سيرته يلاحظ أن ذلك “المبدع” الذي عاش أربعة وعشرين عامًا من حياته بعد تخرجه من كلية الحقوق عام 1950، كما ذكر بنفسه في مذكراته أو ذكرياته، دون عمل حقيقي، اللهم ما عدا كتابته لروايتيه الأشهر، “هارب من الأيام” عام منتصف الخمسينيات، و”شيء من الخوف” بعد نكسة يونيو 1967. وبعدها وضعه صديقه “يوسف السباعي” رئيسًا لنادي القصة نهاية الستينيات. ثم وبفضل تلك الصداقة مع “فارس الرومانسية” ومندوب الضباط الأحرار في مجتمع المثقفين والأدباء، يختاره مرة واحدة رئيسًا لمجلس إدارة وتحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون بعد أحداث مايو 1971، وفيها عرف “اتجاه الريح” فظل نجمه في صعود حتى وفاته.

وبدون شك فإن أباظة كان عضوًا في فريق ضم يوسف السباعي ورشاد رشدي وأنيس منصور وفايز حلاوة وغيرهم لمحاولة تغيير دفة الثقافة المصرية بعيدًا عن “الشيوعيين الحمر”، الذين سيطروا عليها في الخمسينيات والستينيات في دولة عبد الناصر، الذي كان يكرهه كراهية التحريم، ولم يكن سبب تلك الكراهية -كما قال وكتب كثيرًا فيما بعد- هو مناخ الخوف والاستبداد والديكتاتورية في العصر الناصري؛ وإنما كان سببًا “طبقيًا” في المقام الأول، فهو ينتمي للطبقة التي جردها عبد الناصر من كل -أو معظم- امتيازاتها، ووجد -في عصر خلفه أنور السادات- الفرصة متاحة كي “ينتقم” منه، وهو ما فعله وظل يفعله بمناسبة وغير مناسبة.. وهذا هو الدرس الثاني الذي يجب أن نتعلمه من تجربة الرجل، حيث “تستكين” في مخبئك حتى تجد، أو تعرف من أين تؤكل الكتف ثم بعدها “تلتهم” المائدة كلها!

لكن الغريب أن ثروت أباظة، على عكس ما أشاعه، لم يكن مضطهدًا أو منبوذًا في العهد الناصري، بل كتب ونشر أهم روايتين في حياته، وحصل على جائزة الدولة التشجيعية في دورتها الأولى. كما عُرض الفيلم المأخوذ عن “شيء من الخوف” بأمر عبد الناصر شخصيًا، وتم تحويل روايته “هارب من الأيام” لمسلسل في بدايات البث التليفزيوني في مصر، وكانت أيضًا مقررة للدراسة في مرحلة من مراحل التعليم. وكان يسافر للخارج ويستمتع على حساب الدولة بفضل رعاية السباعي له، وهي رعاية لم يجدها من والده نفسه الذي رفض التوسط له عند حافظ عفيفي باشا، رئيس بنك مصر ورئيس الديوان الملكي، كي يحصل له على وظيفة!

وفي الواقع فإنني أكتفي بهذين “الدرسين” من حياة وسيرة ومسيرة الكاتب الأكبر ثروت أباظة، ولن أكون “طماعًا” أو “انتهازيًا” زيادة عن اللزوم، وبإذن الله سأعمل بهما في قادم الأيام، فالرجل رغم كل شيء لا يزال يحتفظ بلقب “الكاتب الكبير” بالتساوي مع “نجيب محفوظ” و”يوسف إدريس” وغيرهما!

ومرة أخرى الحمد لله أن حظي لم يكن كحظ “بلال فضل”!

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل
زر الذهاب إلى الأعلى