سياسة وتاريخ

قبل أن يطفح الكيل

انفجر الوضع الهش بين أنقرة ودمشق، أو لنقل بين أنقرة وموسكو مرةً أخرى بعد أسبوعٍ من الهدوء المشوب بالحذر من الجانبين، فقد تبادل الجيشان التركي والنظامي السوري القصف يومي التاسع والعاشر من فبراير الجاري خلال عملية نظام الأسد العسكرية للسيطرة على سراقب، ومن ثم تأمين الطريق بين العاصمة ودمشق وشمال سوريا.

جاء الرد التركي على اعتداء نظام الأسد أشرس من سابقه، فقد دمرت المدفعية التركية عدة مواقع للنظام، وقتلت مائة وواحد جنديٍ، ودفعت بمزيد من التعزيزات العسكرية لإدلب لوقف النظام عند حده، وخلال كلمة ألقاها الرئيس التركي أردوغان، توعد رأس الدولة التركية بقصف المواقع النظامية السورية حتى خارج مناطق خفض التصعيد وتحييد الطيران الذي يقصف معقل الثورة الأخير.

استشعرت القوتان العظيمتان الخطر جراء التوتر غير المسبوق بين الأسد وأردوغان، فأرسل بوتين وترامب وفدين لتهدئة الوضع المشتعل، لكن عاد مبعوثو بوتين لموسكو بخفي حنين بعدما فشلت الجهود الروسية في استرضاء الأتراك الغاضبين، وعلى الدرب نفسه سار الأمريكيون لكن بشكلٍ أكثر حنكة.

أرسلت الإدارة الجمهورية الحاكمة الدبلوماسي المخضرم صاحب الباع الطويل في أزمات الشرق الأوسط جيفري فيلتمان لامتصاص الحنق التركي، خاصةً مع إجادة فيلتمان للتركية ما سيمكنه من إيصال وجهة النظر الأمريكية على أكمل وجه، وأخيراً اجتمع حلف شمال الأطلنطي في بروكسل للإعلان عن دعمه لتركيا العضو الأطلسي في مواجهة ما يتهددها من خطر.

لا يعول الأتراك على الدعم الأطلسي من الأساس؛ فهو لن يزيد عن الكلام، كما أن بقية الأعضاء يتآمرون على حكومة العدالة والتنمية متى سمحت الظروف لهم بذلك، وحادثة إسقاط المقاتلة الحربية الروسية أواخر 2015 وانقلاب الخامس عشر من يوليو 2016 خير مثالين على ذلك، بل وينتقد حلفاء تركيا تدخل تركيا في سوريا بينما يلوذون بالصمت الرهيب تجاه تدخلات الروس والصهاينة والأمريكيين، بينما لم يعانوا كما عانى الأتراك من ويلات الوضع المشتعل في الجار الجنوبي.

كما تدرك القيادة التركية أن نظام الأسد الذي تحول لدمية تحركها يد بوتين منذ 2015 أقدم على ما أقدم عليه بأوامر روسية؛ لتوجيه رسالة لتركيا أن القضاء المبرم على الثورة هو الحل الذي لا ترتضي عنه روسيا بديلاً للحفاظ على مصالحها في الشام، وهو ما لن تقبل به تركيا من باب الحفاظ على أمنها القومي.

ماحدث على الأرض السورية المنكوبة هو تصفية حساباتٍ بين اللاعبين الأهم على الساحة منذ 2011، فقد افترق الحليفان المؤقتان منذ أكتوبر 2019 بعدما نكث الروس بوعدهم حول نزع سلاح المسلحين الأكراد شرق الفرات، بالرغم من تأكيد الكرملين أن روسيا تتفهم المخاوف التركية، وستعمل على طمأنة أنقرة للوصول لحلٍ مرضٍ للأزمة السورية المزمنة.

لكن لا الروس حيدوا الخطر الكردي ولا أوقفوا القصف على إدلب، مما زاد من تدفق اللاجئين على تركيا؛ ما جعل أمنها في مهب الريح مجدداً بعدما نجحت خلال عملياتها العسكرية الثلاث داخل سوريا في إعادة عشرات الآلاف من اللاجئين لديارهم، مما سيؤثر بالسلب على الحزب الحاكم في أية انتخابات قادمة.

لكن وبالرغم من ذلك، حاول الروس والأمريكيون وبدرجةٍ أقل الأوروبيون استرضاء تركيا، لا حباً في حكومتها التي يجتمع الأطراف الثلاثة على مقتها، ولكن خوفاً من اندلاع حرب حامية الوطيس بين الجيش التركي وجيش الأسد سيخسرها الجيش الطائفي مليون في المائة، بل وربما وجد الطاغية العلوي نفسه مخلوعاً والقوات التركية في قلب عاصمته، وهو ما لن يرضي إسرائيل كفيل النظام الأول، والتي منعت سقوطه حتى اليوم مكافأةً له على حماية حدودها الشمالية.

مختصر الوضع المأساوي في سوريا المباركة هو فتش عن أمن إسرائيل التي يخدمها الجميع، ولا ينتظر أحد منها جزاءً ولا شكوراً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق