مدونات

قبل أن يصل القطار لمنتهاه.. تجار الأوطان يتساقطون عند أول محطة

يتعلق الإنسان بوطنه الذي ولد ونشأ فيه وخطت أقدامه أولى خطواته على أرضه، ليست كل الأوطان تنبت سنابل الخير والفداء والتضحية في نفوس أبنائها فهي تختلف من وطنٍ لآخر؛ فقد يولد الإنسان خارج وطنه ولكن جينات الوراثة تلعب دورها في تشبثه بوطنه وتزرع فيه قيمة الانتماء إليه بقلبه وعقله والحلم بالعودة والدفاع عنه بكل ما أوتي من قوة. ما أجمل أن يكون للوطن أساس ثابت وحضارة راسخة علومها علمت الإنسانية كلها وارتشفت من رحيقها ومازالت، تاريخ ناصع البياض لا ينكره غير الجاحد المغيب المغرر به من قبل قلة لا بأس لها ولا شدة.

ولنا أن ندرك كم هي قيمة الولاء للوطن الأم أمام الإغراءات والمزايا والتنعم في الخيرات والأحلام الوردية الواهية في الوطن الثاني، فمن يكره وطنه بسبب الظروف الاقتصادية التي تجتاحه وهموم المعيشة وندرة العمل وجلوس الأمل على القهوة عاطل، بحد وصف الشاعر مصباح المهدي، لمن يعيشون على الهامش، وتجمع المساكين حول صناديق القمامة، والمشردين على قضبان السكك الحديدية، ونوم البعض في العراء تحت الكباري والزقاقات وزوايا المدقات، وتولي من لا يصلح مقاليد الحكم، وسواد الرؤية، وتوغل الشر، وانتشار الفساد، وتجبر العصابات، وتلوث الهواء، وقطع الألسنة، وإلقاء الأفواة الناطقة بالحق وراء القضبان، أكرم له أن يعيش في سجونها وأشرف من تمني الشر لوطنه وأبنائه.

وقد يلهث من لا يحمل قيمة الانتماء للأوطان، في الحصول على جنسية أخرى ويبيع وطنه في أول محطة قبل أن يتوقف القطار أو يصل لمنتهاه، ويضمر الشر في قلبه تجاه وطنه ويتعاون مع الخونة والأعداء في سبيل حلم كاذب مؤقت غادر لن يأتي.

رغم المحن والآلام أعشقك يا وطني، حبك يسري في دمي، عظمتك شريان المياة في عروقي، كلمة وطن تعني الأوكسجين بالنسبة لحياتي، رؤيتك يا وطني نبض القلوب في ملامسة أراضيك، ولوعة الأحضان الدافئة عند لقاء الحبيبين، ذكرياتي ودفتر أحوالي منقوش علي جدرانك، صغيرًا أو كبيرًا يجذبني الشوق وينتظرني الحنين، الظلم لا يأتي من الأوطان ولكن يأتي من أشخاص معينين يتحكمون في مصير الأوطان، فالوطن ليس أرض ومياه ومبان وأشجار وجبال وصخور ووديان ولكنه روح تسكن الوجدان.

ويحارب العقل في سبيل رفعة شأن الوطن ونهضته وأن يتبوء المكانة التي يستحقها بين الأمم، وأن يدافع عن قيمه وموروثاته ومقدساته ويسارع في قطع دابر من يحاول النيل منها، فالشهادة في سبيل الدين والوطن هي أسمي الغايات ويتمناها الأغلبية إلا قلة من الانتهازيين والأنانيين والمنافقين والأفاقين ومن لا يحمل قيمة الانتماء في قلبه لوطنه، تراهم يتهربون ويشعلون الفتن والمهاترات ونثر الأفكار الهدامة ومحاولة كسر شوكة الوطن الصامدة، ولكنهم لن يستطيعوا. فهم كالزبد سوف ينزوي قريبًا ولن يتبقي سوي آثارهم لتكون عبرة لمن خلفهم.

يقلب الانتماء الخوف رأسًا علي عقب ويطرده من قاموس الحياة ويحارب من أجل النصر والعودة بعد زوال الوباء وبزوغ شمس الحرية ومن قبلها نسمات الفجر ومن قبلها أضواء القمر الذي أضحي الظلمات أشعة من النور والأمل والقضاء على خفافيش الظلام وزوار الفجر الآثمين وحرامية الظلال.

حتى إن انتشر الفساد في كل الأركان وأكل الجراد الأخضر واليابس وتوغل بين ثنايا الضلوع وبين الأهل أنفسهم وبين الجيران وبين العامة وتلوث الهواء وزادت علامات الغضب من قبضة المتأمرين، يظل باب السماء والتقرب إلى رب العباد بالتوبة والدعاء والأمل في الاستجابة لم ولن ينفد أبدًا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق