سياسة وتاريخ

قبل أن تنفد الكميات.. لماذا يرتدي البعض ملابس الهوان عامدًا؟

هناك نوعان من الغيبوبة الفكرية فالنوع الأول يكون إجباريًا، وهو سبيل من اختار أيسر الطرق بعيدًا عن مصير مجهول مبكل بالتوجعات والأنين، والنوع الثاني يكون اختياريًا، تغرق نفسك فيه بإرادتك الحرة. وفيما يلي شرح كل نوع بالتفصيل.

أنواع الغيبوبة الفكرية

الغيبوبة الإجبارية

هي نوع من الغيبوبة الفكرية تعتبر كما الكأس الذي يشربه المرء عن غير خاطره؛ وذلك لأسباب عديدة منها: سوط القوة، وسيف البطش، وقسوة الظلم، ورهبة الخوف، ومن ثم يتحول الإنسان إلى شخص مطيع إلى أبعد حد، منفذًا للأوامر، لا يحيد عن الطريق المرسوم له بدقة.

ويسارع المرء بسبب حب الحياة والخوف على لقيمات الخبز وانقطاع المياة والإلقاء فيما وراء القصبان، في التأييد والخروج والتصفيق للباطل وكتم صوت الحق ومحاربة المعارضين لعبودية ولى زمانها من بعيد، ولكن عباءة الاستعباد فُصّلت من أجله خصيصًا لكي يكون قدوة لغيره، لعله يغير مبدأه ويسارع في أخذ نصيبه من ملابس الهوان والعار قبل أن تنفد جميع الكميات.

كتب من يريد هذه الملابس ممن يعاني من الغيبوبة الفكرية الإجبارية، صكًا طويل الأمد بتوفير جميع الطلبات للداخلين الجدد في زمرتهم، لا ردة فعل لأصحاب هذا النوع ولكنهم دائمًا منتظرين تلقي الفعل ممن أوقعهم في هذا الفخ وجعلوهم فرائس سهلة الترويض.

ويتمادى الأسد في ظلمه ولا أحد يستطيع حتى البوح بكلمة، فالمصير معلوم مقدمًا. ومن هنا أصبحوا صم بكم عمي فهم لا يرجعون، ما يطلب منهم ينفذ في الحال بل يسارعون في إعطاء المزيد وهو ما يطلق عليه “التجويد”.

وفي ذات الإطار، تعوي “كلاب” الميديا والعامة تستمع وتقنع عقولها بالذل والهوان، وكما قال الإمام محمد متولي الشعراوي: “إن لم تستطع قول الحق فلا تصفق للباطل”، ولكن هيهات أصبح الأمران متساويين ولا سبيل سوى مساندة الباطل كما ينبغي وكما أنهم أصبحوا وقودًا يستخدمهم أسيادهم ليظلوا قابعين تحت الأقدام مثل العبيد، وتعودوا على الاقتياد بدون أدنى مقاومة.

لذا، تعد الغيبوبة الفكرية الإجبارية هدفًا لهؤلاء بدلًا من التعذيب والتنكيل والإذلال وضياع الأهل والأولاد، ولكنك في نفس الوقت تكتب لهم مستقبل أسود مكبل بتوجعات وأنين الآخرين.

اقرأ أيضًا: بغداد «المحتلة».. كيف تتخلص العراق من الولاءات وقوى الاستقطاب؟

الغيبوبة الاختيارية

هي نوع من الغيبوبة الفكرية حيث تغرق نفسك فيها بإرادتك الحرة، فأنت لا تريد أن تفند الأحداث وتقيسها بمقياس العقل والمنطق، تحتل الأنا الأنفس، وفي سبيل المال والمصلحة تفعل أي شيء يقربك من أهدافك الفانية.

وقد تكون ليس لك القدرة على المقاومة فتقبل بالسكوت والهوان، وقد تكون الصورة واضحة أمامك ولك القدرة على الرفض ولكن تساند الباطل بكل أريحية.

يدفعك الجهل ببواطن الأمور لتقبل بالسيئ بل وتفضله على الأحسن. أسوأ ما في هذا النوع  من الغيبوبة الفكرية الاختيارية؛ هو هزيمة الأمة بكل سهولة ويسر فلا اتحاد مع الغير لتصويب الباطل ونطق الحق وأن يسود العدل الأرجاء.

ويخاف البعض الآخر من التغيير فيرضى بالواقع المظلم لعل المستقبل يكون أشد ظلامًا، ولا يدري أن ذلك في علم الغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، أين نحن من حديث أشرف الخلق نبيبا محمد -صل الله عليه وسلم- حيث قال: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع بلسانه، فإن لم يستطع بقلبه وذلك أضعف الإيمان”.

طبع التشاؤم على قلوب الكثيرين ممن يعانون من الغيبوبة الفكرية الاختيارية، فأبوا أن يسيروا في طريق النور، فلا همة لنصرة دين أو الدفاع عن مقدرات ومقدسات أمة، أو الحفاظ عن تاريخ دولة، أو الوقوف في وجه عدو مغتصب، ولا مجباهة المؤامرت شمال وجنوب وشرق وغرب.

وحولت الغيبوبة الفكرية الاختيارية الإنسان كالحيوان لا فضل ولا علم، وفقدنا العقل الذي فضلنا به الله تعالى عن سائر المخلوقات. لابد من العودة إلى الحقيقة الدامغة، والوقوف في وجه الظالمين أينما كانوا، وضرب مواقع الفساد بكل قوة، وكره الطرق المؤدية إلى قصور الطغيان، أن نغير ما بطن في قلوبنا ورؤية عيوننا طريق الهداية والسماع إلى العلماء والمفكرين، وطرد الخوف من على صدرورهم، والمقاومة لآخر نفس.

وحينئذٍ سيرتعب الأسد وحاشيته ويرحعوا إلى مخابئهم خائسين غير مأسوف عليهم، ويدكوا قوة الشعب الذي له الكلمة العليا وسيد قراره ومصدر كل الثورات، وتعود الكرامة تزين الجبهات وتمشي الأرجل بثبات في سبيل تثبيت العدل وإقامة القصاص الذي استغل ضعف الفقراء والمساكين والمحتاجين وعابري السبيل والنخب والمثقفين والعلماء الذين تم التنكيل بهم.

الأمل في رحمة الله لا تنفد أبدًا، وشمس الظلم مآلها إلى سراب، وقمر البدر قادر على زوال سواد قلوب هؤلاء المتجبرين في الأرض، الذين لا يخافون الله وماضون في طريقهم وكأنهم أرضعوا نارًا وأرادوا إيقادها في مَن يتولون رعايتهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق