سياسة وتاريخ

قانون التصالح في مخالفات البناء يلهب الشارع المصري.. فما الحل؟

أصدرت الحكومة المصرية قانون التصالح في مخالفات البناء، ولكن حجم الكارثة التي قد يتسبب بها هذا القانون يُكاد لا يُوصف، ويكشف عن خطأ فكري من قِبل معتمدي هذا القانون، خطأ في حق أنفسهم وصورتهم قبل المسئولين، فعندما تُقر مثل هذا القانون بدون دراسة عواقبه وآثاره التي قد لا يمحوها الزمن بسهولة تهتز في رأسيك صورة المسئول الموقر الذي يعمل على رخاء شعبه وراحته ولا ينام الليل، لتتبدل بصاحب مصلحة معينة أو متخذ قراراتٍ يهذي فقط، ولا يقدر العواقب والآثار، ويزنه في الميزان.

سأختصر قانون التصالح في كلمتين: التصالح علي الأبنية السكنية بدون تراخيص، ومحولي النشاط السكاني إلى نشاط صناعي أو تجاري بدون تراخيص، والتصالح على فتح محال بدون تراخيص، والبناء علي أراضي الدولة بدون الحصول على ترخيص رسمي.

الهدم هو أُس الكارثة من الأساس، فلا أعلم لم استخدام هذا السلوك في الحقيقة، فالمفترض أن تغريم المخالفين وليس إزالة المخالفات بهدم بيوتهم كما نص القانون نفسه، ومن تغيب عن الدفع، المُفترض الزج به في السجون، وليس هدم منزله الذي وضع رزمًا من الأموال جمعها بالعرق الكثيف وسهر الليالي الطويل؛ ليشتري شقةً في تلك “العمارة” التي تهدمها، وتلقي به في الشوارع بدون حتى تعويض مناسب.

فإنه من المفترض وفق قانون التصالح أن يتم هدم هذه المباني العشوائية؛ لبناء المدينة بشكل قانوني لا يتجاوز القوانين الرسمية؛ حتى لا يتعاقب عليها أحد، إذن فلتعوض هذا الذي تريد هد بيته، نظراً لأن معظم المُخالفين من الطبقة القابعة تحت خط الفقر، التي “تقضي اليوم بيومه”، ويحمل صاحبها همومًا للغد؛ بسبب الأعمال الشاقة التي يتوجب عملها؛ سعياً للحصول علي القوت اليومي، مما سيسبب لهؤلاء التي هُدمت بيوتهم مشكلة كبيرة في الحصول على سكن آخر، والله يعلم مصيرهم الآن.

وإذا توجب محاسبة أحد، فيجب محاسبة صاحب هذا العقار المُخالف، هو من بنى العقار علي قطعة الأرض الخالية بدون الحصول علي ترخيصٍ رسمي، فلم يذهب هذا المواطن ليستثمر ماله في شقةٍ من هذا العقار، من أين له أن يعرف أن عقاره غير مُرخص؟!، فالآدمي الطبيعي عندما يذهب لشراء عقار، كان قد سبق الإعلان عنها، يعتقد مسبقاً بأن العقار بكامله مُرخص، فما ذنبه إذا كان مالك العقار الأصلي نصاب؟!، وإذا كنت مصراً علي الهدم، فلتعوضه تعويضاً مناسباً، يجب أن يعيش كما كان مستوى معيشته في العقار، الذي تبتغي سيادتك هدمه، هذا حقه العقلي عليك!، وفوق كل هذا إذا غضب واحتج تقمعه وتضربه وتقبض عليه، ليبيت في “تخشيبة” سجنٍ ما، إلى أن يتم عرضه على النيابة، بتهمة الاحتجاج على هدم بيته!.

كما أن هذه الانتهاكات المخالفة للقانون، كان مسموحاً بها سابقًا، أي أنها كانت منتشرة بين أصحاب العقارات والقانون كان نائماً ولا يحاسب أحدًا، إذن الكل انقاد لروح الجماعة، وقلد من سبقوه، فواحداً فعل هذا الجرم، والقانون تغافل عن جرمه، فقلده الآخر، إذن العيب في المسئول القانوني من البداية، وطبعاً أنا لا أُبرر هذا الانتهاك، إنما أرى أن غريزة الجماعة رأت أن هذا الانتهاك مسموحاً به، فاستغلت غفلة القانون.

كما أعتقد أنه يوجد العديد من أصحاب العقارات المخالفة، كانوا قد ذهبوا بالفعل للحصول على ترخيص، ولكن المسئول الذي يجلس مختنقاً من العالم كله، لم يأبه وأخبره بالذهاب والبدء في البناء والاطمئنان؛ وأعتقد أن هذا منطقيٌ جداً خصوصاً مع هذا العدد المهول من المخالفات، بالتأكيد ليس كل هذا العدد انتهك هكذا من الفراغ، بالتأكيد سعى البعض منهم إن لم يكن كلهم، إلي الحصول على ترخيص، وواجه لا مبالاة المسئول، أو وجد الكل بلا تراخيص والحكومة مُرزقة بنومةٍ هنية، ولا تمنعهم من الانتهاك.

بسبب قانون التصالح أصبح الشارع المصري محتقن الآن، وتبرز العروق المملوءة بالدماء من رقاب المصريين، ليس المتضررين من القانون فحسب، بل الذين في مأمنٍ منه أيضاً ينتظرون الفرصة الأولى للانضمام إلي المتضررين في مساعدتهم، أي أن خلاصة الموضوع؛ إن لم يتم التوقف عن الهدم وقمع المعترضين، لن أستغرب إذا تطور الأمر إلي ثورةٍ شعبية، أو عصيانٍ مدني في كل أنحاء “المحروسة”، ولكن مازالت الفرصة سانحة، أما مقري هذا القانون بتنفيذه في المسار القانوني، بعيداً عن الهدم والقمع.

الحل ببساطة شديدة هو تغريم المخالفين فقط كما نص قانون التصاح على مخالفات البناء، أو توفير التعويض المناسب، مقابل الهدم، ولكن يجب أن يكون تعويضاً كما كان يعيش المواطن، لا أكثر ولا أقل، والتريث قليلاً في قيم الغرامات، نظراً لظروف هذه الطبقة من المجتمع بشكل خاص، والحال المالي لجموع الشعب بشكل عام.

اقرأ أيضاً: هكذا أثر وباء كورونا على السوق العقاري في مصر والعالم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Zeyad Elnagar

الثورة في كل شئ هي الحل(كن خارجاً عن المألوف).
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق