مال وأعمال

«قانون الإضراب» المغربي.. انقلاب على الحقوق النقابية وضربها في مقتل

يعتبر حق الإضراب حق دولي مشروع، حسبما نصت عليه اتفاقية العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والذي وقع عليه المغرب في 19 يناير سنة 1977، وصادق عليه في 3 مايو 1979، وجاء في الاتفاقية بمادتها 8 الفقرة (د) “حق الإضراب، شريطة ممارسته وفقاً لقوانين البلد المعنى”، هذا الحق سوف يترجمه الدستور المغربي من خلال الإشارة إليه في الفصل 29، والذي نص على أن حق الإضراب مضمون، ويمارس هذا الحق انطلاقًا من تشريع منظم – وهو قانون الإضراب في المغرب – والتي تعمل على صياغته الهيئة التشريعية المخول لها ذلك.

في 6 من أكتوبر لعام 2016 تقدمت الحكومة بمشروع قانون تنظيمي رقم 97.15 بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب، والذي تمت إحالته إلى لجنة القطاعات الاجتماعية في 3 فبراير 2017، وقد ظل مشروع قانون الإضراب في المغرب حبيس رفوف اللجنة منذ ذاك العهد، إلى حدود شهر سبتمبر 2020، حيث سيتم بطلب من وزير الشغل والإدماج المهني السيد محمد أمكراز، إدراج  قانون الإضراب للمناقشة في اجتماع اللجنة المقرر في 16 من سبتمبر 2020، وذلك بصفته ممثل القطاع في الحكومة.

وحسب القانون الداخلي لمجلس النواب، والذي ينص في ديباجته، على أنه لا يمكن مناقشة مشاريع القوانين إلا بوجود ممثل عن الحكومة بصفتها صاحبة مشاريع القوانين، فقد تم وضع مشروع قانون الإضراب في المغرب على جدول الأعمال للجلسة السالفة الذكر. ولكن بطلب من نفس الوزير سوف يتم تأجيل البت في نص المشروع لمدة 15 يومًا، برسالة موجهة لرئيسة اللجنة بتاريخ 15 سبتمبر 2020، معللًا هذا التأجيل، بمنحه فرصة للتشاور مع الفرقاء النقابيين، من أجل التوافق حول صيغة هذا القانون التنظيمي المثير للجدل.

وتكتسي القوانين التنظيمية أهمية كبيرة في الترسانة القانونية المغربية، نتيجة أنها تعتبر المصدر الثاني للتشريع بعد الدستور، ولهذا السبب فإن هذه القوانين تستوجب دراسة مستفيضة، تتسم بالإحاطة الشاملة من كل الجوانب التي تهمه.

وفي سياق متصل بالاجتماعات التي جمعت الوزير وبعض المركزيات النقابية، والتي عبرت عن رفضها لمشروع قانون الإضراب في المغرب جملةً وتفصيلًا، معتبرةً أن نص المشروع، هو ضرب للحريات النقابية. بل أكثر من ذلك، اعتبرته انقلاب عل الدستور المغربي، وخاصة حق ممارسة الإضراب، فما هي أسباب هذا الرفض؟

للإجابة عن هذا السؤال؛ وجب القيام بدراسة تحليلية لمقتضيات مشروع قانون الإضراب في المغرب كما أُودع بالبرلمان، وبعد الاطلاع على نص المشروع، وجدتُ أنه يحمل من العلل والتناقضات ما يجعله -حسب وجهة نظري- مشروع معاق الصياغة، يضرب بالحرية النقابي عرض الحائط، بل يكرس سلطة المشغل على العامل، في تحامل صارخ على الطبقة العمالية، وممثليها القانونيين من نقابات وهيئات مهنية.

ولهذا الأمر سوف نقتصر على سرد بعض العلل والتناقضات، ويبقى هذا الاقتصار على سبيل المثال لا الحصر، على اعتبار أن النص برمته يعكس حالةً من الارتباك في الصياغة، وكأنه كُتب إرضاءً لرغبات أطراف معينة، تحاول إلجام حق العمال في الإضراب.

وفي النص تُعرف المادة (2) من هذا القانون مفهوم الإضراب بأنه “كل توقف عن العمل يتم بصفة مدبرة”، وفي هذا التعريف تغييب صريح لمفهوم الحق في ممارسة الإضراب كما هو منصوص عليه دستوريًا، فكان الأجدر أن تكون الصيغة على هذا الشكل “الإضراب هو حق قانوني، يخول التوقف عن العمل لمدة معينة”، ثم أن تعبير “بصفة مدبر” بمدلولها القانوني، يوحي بمفهوم التربص والنية المبيّتة في ممارسة الفعل، وهذا جليّ من خلال قراءتنا للمادة (12) من نفس القانون، حيث تشير المادة المذكورة إلى أنه “يمنع كل توقف مدبر عن العمل يتم بالتناوب وبكيفية متتالية بين فئات مهنية معينة أو مختلفة”، وفي هذا الأمر تناقض صارخ لمعنى “توقف مدبر”، بل أكثر من ذلك، تشير المادة 39 من مشروع قانون الإضراب في المغرب إلى عقوبة تتراوح بين 2000 و5000 درهم لمن يخالف مقتضيات المادة 12، السالفة الذكر.

نسترسل في قراءة النص لنجد أن المادة (10) والتي تضرب الأسس الأصلية لممارسة الحقوق النقابية ومن بينها حق الإضراب، فإذا استمرت المقاولة بالعمل، بإحلال أجير مكان أخر لأسباب المذكورة في المادة السالفة، فما الجدوى من ممارسة حق الإضراب؟

وهذا الأمر واضح بشكلٍ صارخٍ في الفقرة الأخيرة من المادة، والتي جاء بها “وفي حالة تعذر ذلك، أمكن للسلطات المحلية المختصة اتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمرار المقاولة في تقديم خدماتها على مسؤولية المشغل”.

أما المادة (14) من مشروع قانون الإضراب في المغرب المقدم من طرف الحكومة، فهو ضرب صريح للطبقة العاملة، من خلال التنصيص على الاقتطاع من الأجر للأيام التي شملها الإضراب، وتستكمل الحكومة مسلسل محاصرة الحريات النقابية بالمادة 16، حيث جاءت هذه المادة بفكرة خطيرة تؤسس لتدخل سافر في الجهاز النقابي، من خلال إقرار مجموعة من الأمور والتي تعتبر جزءًا من النظام الداخلي لأجهزة النقابة، فكيف يمكن لنقابة عمالية أن تشرك المشغل في التهيئة والتحضير للإضراب.

ويستمر طرح التناقضات في المشروع الحكومي الخاص بتأطير حق الإضراب من خلال المادة 19، حيث تنص هذه المادة أنه “يجب على الجهة الداعية للإضراب أن تحيط علمًا الجهات الواردة بالمادة السالفة الذكر، بقرار الإضراب 7 أيام على الأقل قبل موعد تنفيذه، ومن بينها المشغل”، في حين أن المادة 18، تشير إلى مدة 15 يومًا على الأقل قبل خوضه!

وما أعتبره آخر مسمار دق بنعش حق الإضراب المخول دستورياً من خلال مشروع قانون الإضراب في المغرب هو ما ورد بالمادة (20)، وعلى خلافها الباب الخامس المتعلق بالعقبات، حيث أن هذه المواد تسمح للنيابة العامة أن تحرك الدعوى العمومية، ضد العمال المضربين، للأسباب التي وردت فيها (المادة 20 والمواد من 35 إلى 46)، وهذا ما يحيلنا إلى قضية قديمة جديدة تتعلق بالمادة 288 من القانون الجنائي والتي تعتبر مادة خطيرة جدًا يمكن استخدمها ضد العمال الدين يمارسون حقهم بالإضراب، على اعتبار أن المواد السالفة الذكر تفتح الباب للمشغل من خلال سلطة النيابة العامة من مقاضاة المضربين عن العمل.

خلاصة القول، إن مشروع الحكومة عن الإضراب ما هو إلا قانون شرَّعه “الباطرونا” (الاتحاد العام لمقاولات المغرب) وتحاول الحكومة أن تضفي عليه المشروعية من خلال المؤسسات التشريعية المغربية، البرلمان بغرفتيه.

وختامها أسوأ من بدايتها، مع حكومة سعد الدين العثماني، حكومة وُلدت معاقة بتحالف فاشل، نتج عنه قرارات ضربت مصالح الشعب المغربي بكل طوائفه، وخاصة فئة المستخدمين والموظفين، وما مشروع هذا القانون إلا إقبار لحق من جملة الحقوق التي ضاعت في زخم عمل حكومي، في ظاهره موجه للشعب، لكن أصحاب المصالح الضيقة كانوا أكبر المستفيدين منه، عمل لا يفهم مغزاه إلا المجلس الحكومي.

وأخيرًا وليس أخرًا، زمن الانتخابات عاد، وبأي حال عاد؟

اقرأ أيضاً: الأثر الاجتماعي والاقتصادي لأزمة كورونا على الفرد في المغرب

برجاء تقييم المقال

الوسوم

mohamedabouechcharaf

الإجازة الأساسية في العلوم السياسية و إجازة أساسية في القانون الخاص، شاعر، كاتب عبر موقع 22 عربي، ورئيس جمعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق