مدونات

في يوم الشهيد الجزائري تذكير برسالة الشهيد

إذا جاز للناس أن يفتخروا بأمجادهم وإنجازاتهم وبطولاتهم وأبطالهم، حق لنا كجزائريين يسكنون هذه البقعة المعروفة جغرافيا أن نفتخر بشهدائنا الأبرار، الذين قضوا في سبيل الله مضحين بأرواحهم وأنفسهم وبالغالي والنفيس من أجل أن تحيا الأجيال بعدهم في وطن حر لا يظلم فيه أحد، ولا سلطان لأجنبي عليه.

ومن هنا جاء يوم الشهيد الذي نحتفل به كل عام في الثامن عشر من هذا الشهر فبراير. حتى لا ننسى الفضل لأهل الفضل وفي مقدمتهم الشهداء الأبرار امتثالا لقول رب العالمين: {ولا تنسوا الفضل بينكم}.

وثانيًا/ حتى نربط الأجيال بعضها ببعض ليأخذوا القدوة من أبطالهم.

وثالثًا/ حتى نضبط البوصلة على الاتجاه الصحيح، ونصحح ما يجب تصحيحه ونعدل ما يجب تعديله ونجلي ما يجب تجليته من أفكار ورؤى ومشاريع ومخططات تحاك لهذا الوطن ولهذه الأمة على حين غفلة من الناس.

فالجزائر تكاد تكون البلد الوحيد الذي رسم حدوده وانتزع استقلاله واستعاد حريته وكرامته وسيادته بدماء شهدائه ولا فضل لأحد عليه إلا الله تعالى.

ولن أكون مبالغًا أو مخطئًا إذا قلت: إن الجزائر هي الاستثناء الوحيد في خارطة العالم الإسلامي التي رسمها سايكس وبيكو، وكلنا يعرف من هما سايكس وبيكو ودورهما في تقسيم العالم الإسلامي إلى هاته الدول المعروفة الآن.

فقد عرضت بريطانيا وهي الدولة العظمى آنذاك على الأمير عبد القادر الجزائري بعد أن استنفد رصاصته الأخيرة ضد الاستعمار الفرنسي، أن يكون امبراطورًا للعرب كلهم وينصب على الجزائر وشمال أفريقيا كحاكم بأمره مقابل الولاء للمملكة المتحدة. فرفض هذا العرض وقال: ستتحرر الجزائر إن عاجلًا أو آجلًا، بفضل أبنائها ولن يكون لأحد فضل عليها.

وذلك ما حدث بالفعل بعد سلسلة ثورات شعبية مباركة متواصلة، بعد ثورته التي دامت سبعة عشر عاما بوسائل بدائية، إلى أن تكلل الكفاح الشعبي بثورة التحرير المباركة في أول نوفمبر من سنة 1954، والتي عرفت عالميا بثورة المليون ونصف المليون شهيد، وعرفت الجزائر ببلد المليون شهيد.

فهنيئا لكل حر تجري في عروقه دماء الشهداء ويتطلع إلى يوم الانعتاق الكامل والاستقلال التام.

ولئن كان البعض ينظر للوطن أنه مرعى خصب، إذا نفد منه العشب أو جف ماؤه وجب تركه والارتحال منه والهجرة إلى غيره، كما يفعل البدو الرحل مع مواشيهم. أو ينظر إليه أنه شجرة مثمرة أو بقرة حلوب يجب أن يأخذ منه بحق أو بغير حق.

فإن رسالة الشهيد تقول: إن الوطن قبل أن يكون مرعى خصب أو بقرة حلوب أو شجرة مثمرة، هو الأم الحنون التي تضم رفات الأبطال الأماجد الذين رووا بدمائهم الزكية تلك البقرة التي تحلب، وسقوا بعرقهم الطاهر تلك الشجرة المثمرة التي منها تأكل وتعصر. والأم مهما قدمت لها من معروف أو بر وإحسان، فلن تستطيع أن توفيها حقها.

والآن قد يقول قائل مهضومة حقوقه: ما ذا قدم لنا هذا الوطن الذي صدعتمونا بالحديث عنه، ويستطيع أن يأتي لك بقائمة طويلة عريضة فيها من العوائق والمشاكل والمظاهر البائسة والفساد الممارس عن سبق إصرار وقصد. مما يجعل الواحد يغير الاتجاه 180 درجة.

لكن المقام يفرض علينا أن نوجه له سؤالا معاكسا فنقول: اسأل نفسك أنت. ما ذا قدمت لنفسك؟ وما ذا قدمت لدينك؟ وما ذا قدمت لوطنك؟

أو تظن الشهداء سذجا ومغفلين حين ضحوا بأرواحهم ودمائهم وقدموا أغلى ما يملكون، ليعيش أمثالك ناكروا المعروف آكلو الغلة وساببوا الملة. أو تظن أنه في زمن الشهداء لم يكن هناك من يعيش على تضحياتهم ويتاجر بدمائهم. لكنهم آثروا أن يموتوا ليحيا غيرهم ويضحوا لينعم غيرهم.

وهذا هو الفرق بين المخلصين الشرفاء حاملي راية الشهداء والسائرين على نهجهم، يرون الوطن أمانة يجب أن تصان وشجرة يجب أن تسقى ويقدمون مصلحة البلد والوطن على مصالحهم الحزبية والشخصية. ويقولون الوطن خط أحمر، والجزائر قبل كل شيء، وفوق الرؤوس والرؤساء، وسيذهب الجميع ويبقى الوطن.

ورحم الله سليمان عميرات حين قال في بداية التسعينات: لو خيرت بين الجزائر والديمقراطية لاخترت الجزائر.

وأما الانتهازيون والوصوليون والفاسدون المفسدون والأنانيون، الذين لن يخلو منهم جيل ولن تنقطع منهم أرض، فتراهم يأكلون مع الذئب ويندبون مع الراعي، لو أتيح لهم بيع الهواء الذي نتنفسه لباعوه. يريدون أن يكونوا مستفيدين دوما، ما إن تحل فاجعة بالوطن -لا قدر الله حتى يحزموا أمتعتهم وتراهم أول المغادرين.

ولذا وجب في يوم الشهيد الجزائري أن نذكر برسالة الشهداء، لنحافظ على الأمانة ونصون الوديعة. ولن يفهم هذه الرسالة إلا رجال تجري في عروقهم دماء الشهداء، فلنكن خير خلف لخير سلف ولندع الشهداء يفخرون بنا.

رحم الله الشهداء الأبرار وأسكنهم فسيح جناته. وحفظ الله بلاد المسلمين جميعًا من كيد الكائدين ومكر الماكرين.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى