ثقافة وفنون

في وقت متأخر من حياته، أصبح هنري ديفيد ثورو داروينيا حقيقيا!

هنري ديفيد ثورو (1817-1862) هو مفكر ومؤرخ أمريكي ومثالي وطبيعي، لاسلطوي داع لإنهاء العبودية وداع للعصيان المدني ومقاوم للضرائب وناقد للتقدم ومدافع عن العيش البسيط. وكان له نفوذ وتأثير فكري عظيم.

قرأ ثورو مؤلف “أصل الأنواع” بنهم وتبصر، كما لو أنه كتاب قصص ومغامرات. واقتبس كثيرا منه على شكل ملاحظات. لقد انجذب إلى مجموعة الحقائق التي توضح أسباب بقاء وانقراض الأنواع، والعلاقات الضمنية بينها. كما كان معجبا بعبقرية داروين التجريبية. ففي إحدى التجارب أراد داروين تحديد المسافة التي تنقل بها الطيور البذور العالقة بأقدامها الموحلة، فمن شأن هذا تفسير وجود كثير من الأنواع النباتية المتطابقة على بعد آلاف الأميال، لذا اشترى مقدار ثلاثة ملاعق من هذا الطين، احتفظ به لستة أشهر خلال دراسته، واكتشف فيه بذورا لـ537 نوعا نباتيا. تم احتواء الطين اللزج في كوب إفطار. تلخص سحر التجربة في استخدام أدوات منزلية لاكتشاف 537 نبتة!

قوضت أفكار داروين الأفكار المتعالية (التي يعتنقها هنري ديفيد ثورو) حول الخير الأساسي في الطبيعة، فالداروينية تعتمد على الصراع كمحرك للخلق، لكنها أكدت كثيرا من ملاحظاته أيضا. أمضى ثورو كثيرا من حياته يحاول استخلاص “الوئام البيئي الغير منقطع” و”الندى السماوي” وغير ذلك، إلا أن الحقيقة التي مفادها أن الحيوانات يجب أن تستهلك حيوانات أخرى من أجل البقاء قضت مضجعه؛ فهي حقيقة تزعج توازن الإنسان الساعي لإيجاد الجمال والوئام في محيطه. حاول ثورو السخرية منها قائلا إن البركة مظلمة بسبب قتل الأسماك. ومع ذلك، قدم داروين تفسيرا لنص القتال في الطبيعة: أثرت المنافسة والكفاح على اقتصاد الطبيعة كله. لقد دفعت الأنواع إلى التكيف والتغير، وقد كانت هذه العملية تكلفة لهذا “الخلق”.
“لماذا نصنع العالم بهذه الأشياء تحديدا؟”

بحلول انتهائه من الفصول الأولى لـ”أصل الأنواع”، استوعب هنري ديفيد ثورو فكرتين رئيسيتين: الأولى أن الاختلاف لبنة الانتقاء الطبيعي الرئيسية. فالتباين يوفر وسائل التعديل التي مكنت الكائنات من التكيف. لقد كان ثورو في الماضي ينظر إلى التنوع من وجهة نظر متعالية، فهو يتوقع من الطبيعة أن تستجيب لمتطلبات خياله، وحاجاته الإنسانية. الثانية هي فكرة الوراثة عن سلف مشترك. كانت فكرة داروين أن تاريخ أي نوع مشفر في جسمه، وأن الخصائص الفيزيائية وفرت أدلة حول العلاقة مع السلالات القديمة. فالأنواع التي تتقاسم خصائص مشتركة تنتمي إلى نفس الجنس.

لكن ما أثار اهتمام هنري ديفيد ثورو هو مناقشة داروين لمسألة التوزيع الجغرافي. فقد تساءل ثورو كثيرا من قبل: كيف وصل كل كائن حي إلى مكانه على الكوكب؟ لماذا تصنع الأشياء التي نشاهدها تحديدا عالمنا؟ كيف ظهرت هذه الأشكال الحيوية إلى الوجود؟
في رحلاته البحرية على سفينة بيغل، اكتشف داروين أن الحواجز الجغرافية غالبا ما تحصر الكائنات في بيئات مقيدة. وفي بعض الأحيان ينتشر نوع معين في مناطق متباعدة عبر المحيطات. وقد قرر من خلال تجارب عديدة أنه في ظروف معينة يمكن للكائنات أن تنتقل عبر مسافات هائلة. تجارب داروين أظهرت عدم الحاجة لمصمم ذكي لنرى هذا التنوع المدهش الذي هو وليد إجراءات عشوائية. قد تحكم قوانين عامة هذه الإجراءات، لكن المستوى الفردي تسوده الفرصة.

“إن قطعت غابة، سوف تنبت نباتات مختلفة تماما”
إن روح الدعابة، الإنسانية، والصرامة التجريبية، هي ما ترك انطباعا عميقا في هنري ديفيد ثورو أثناء تعرفه “أصل الأنواع”. لقد أعاد هذا الكتاب صياغة كثير من أفكاره وطبعها بطابع علمي، تسمح بأن نصف ثورو بأنه دارويني. لقد كان ثورو عالم طبيعة يحاول أن يمنح ظاهرة الموت بعدا فلسفيا:”إن رائحة الموت تشير إلى الشهية القوية للطبيعة، وصحتها التي لا تنتهك”. يرى داروين أن الطبيعة مسؤولة عن عدد لا يحصى من التعديلات الرائعة والتنوع المدهش، لكن هذه ليست سوى نتائج للصراع المستمر.

لكن بينما اعتقد هنري ديفيد ثورو أن تدمير الطبيعة الهائل كان ضروريًا لصحته، كان داروين أقل ثقة. قال داروين: “ارموا حفنة من الريش ،وستسقط كلها على الأرض وفقًا لقوانين محددة”، ولكن كم هي بسيطة هذه المشكلة مقارنة بردود فعل النباتات والحيوانات التي لا حصر لها والتي حددت، في سياق قرون، أعداد وأنواع الأشجار التي تنمو الآن على..الآثار الهندية القديمة!”. لم تكن الطبيعة استعارة ولا حكاية رمزية. كانت، بدلاً من ذلك، حفنة من الريش تسقط عشوائياً بفعل الجاذبية.

ترجمة لنص من كتاب
THE BOOK THAT CHANGED AMERICA: How Darwin’s Theory of Evolution Ignited a Nation, by Randall Fuller

اقرأ أيضا: 

بينما كان داروين على وشك الإعلان عن نظرية ستخلده لقرون.. تلقى هذا البريد!

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق