سياسة وتاريخ

في مفاهيم التحليل السياسي

التحليل السياسي في السياسة المعاصرة

تحليل الأحداث والوقائع ومعرفة نتائجها والتنبؤ بمستقبلها وأثرها على المستوى البعيد والقريب ومحاولة إيجاد حلول لها مسألة معقدة ولن تكون ناجحة إذا لم تتخذ من الواقعية والمنطق والحيادية منهجاً لممارسة التحليل.

إن الواقعية هي أساس التحليل الناجح والمحلل الناجح هو من يستطيع بناء تحليله السياسي أو العسكري أو الاقتصادي على أُسس منهجية علمية ولديه القدرة على جمع المعلومات الصحيحة وتحليلها بعيداً عن العواطف والأهواء والميول الحزبية أو الشخصية أو العوائد المادية المرتبطة بالمصالح الخاصة.

يجب على المحلل للأحداث والوقائع مهما كانت طبيعتها أن يكون قادراً على تفكيك طلاسم تلك الأحداث والوقائع وعليه أن يكون قادراً على فهم مصالح الفاعلين ومدى قدرتهم على التأثير في الأحداث وقوتهم ومصادر دعمهم وأهدافهم المرجوة من صناعة الأحداث على الساحة السياسية أو العسكرية.

كلما كان المحلل أكثر واقعية وحيادية وأكثر فهماً للواقع والأحداث السياسية والمجتمعية وما يرتبط بها من واقع اقتصادي وسياسي وما يؤثر فيها من عوامل داخلية وخارجية ولديه القدرة على جمع المعلومات الصحيحة وتجزئتها وفهم ما يدور حوله من أحداث محلية وإقليمية وعالمية كان تحليله أكثر تأثيراً على صنع القرار السياسي السليم ذلك إن وجد التنسيق بين صانعي القرار ومؤسسة التحليل أكانت اقتصادية أو سياسية.

أما إذا كان بناء التحليل وفقاً للأهواء والميول الشخصية والعواطف سوف تكون العواقب كارثية وهي التغرير بعامة الناس والمجتمع والدولة وصانع القرار والنتيجة هي السياسات الفاشلة وقد يصبح الجميع بلا استثناء ضحايا للتحليل السياسي أو الاقتصادي أو العسكري المنقوص الغير مبني على أُسس علمية والبعيد عن الواقعية والمنطق.

التحليل السياسي هو مهارة سياسية ترتبط بالقرار السياسي كما هو الحال في التحليل العسكري يؤثر ويتأثر به وبصناعته ويرتبط بمجمل الأحداث والوقائع السياسية المحلية والإقليمية والعالمية ولا تحكمه في عالمنا المعاصر أي جغرافيا وحدود فقد تتأثر الكيانات السياسية ببعضها وتؤثر على بعضها البعض؛ لأن الحدث السياسي قد يتخطى حدود الكيانات السياسية.

على سبيل المثال إذا أعلن صناعي القرار في الدولة “أ” بشكل منفرد حرباً على الدولة الإقليمية “ب” سوف يؤثر القرار على كل جيرانها المؤيدين والمعارضين وعلى الحلفاء وغير الحلفاء دون الالتزام بأي حدود جغرافية وبالتالي سوف يدخل الحرب معها أو ضدها دول الجوار بحسب المصالح بما فيها قوى عالمية وإقليمية ذات مصالح اقتصادية وسياسية وينطبق ذلك على الدولة الإقليمية “ب” فالعكس صحيح في مثل هذا الحدث العالمي وآثار تلك الحرب سوف تعود إما بالسلب أو الإيجاب على المدى القصير والبعيد على الاقتصاديات المحلية والعالمية والاقليمية وعلى المجتمع المحلي والدول الأطراف المشاركة في الحرب .. في الحرب المعاصرة تتعدد وسائل الدعم الحديثة بين العسكري والسياسي والاقتصادي العلني وغير العلني والمباشر وغير المباشر.. وقد يكون الدعم هو تدخلات مباشرة وعلنية بهدف توسيع مساحة الصراع مراعاةً لأهمية المصالح المتبادلة بين الكيانات السياسية المتصارعة.

عموماً على الساحة الدولية تلعب التحالفات ومفاهيم القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية دور كبير في إحداث التغيير على الأرض وليست الألة العسكرية وحدها هي من سوف يحدد الهزيمة أو الانتصار، والحدث السياسي قد يطال في تأثيره سلباً أو إيجاباً الدولة والمجتمع والفرد العادي الذي لا شأن له بالسياسة.

عالمنا اليوم أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً من ذلك العالم القديم التقليدي والبسيط الذي يسرد لنا أحداثاً تاريخية تربط بينه وبين العالم المعاصر والذي يمثل بيئة حقيقية للمقارنة بين الأحداث والوقائع في كلا العالمين، العالم المعاصر شهد تطور متسارعاً لمختلف المفاهيم السياسية والاقتصادية والعسكرية وأصبح مرتبطاً بمنظومة سياسية واقتصادية معقدة ومتشابكة تحكمها القوة بكل مفاهيمها والتحالفات ويُحدث فيها التطور التكنولوجي والتقدم العلمي والاقتصادي والقدرة العسكرية في إطار التصنيع وسباق التسليح فارقاً كبيراً بين مختلف الكيانات السياسية التابعة والضعيفة والمتخلفة والقوية والصاعدة.

إن التحليل السياسي لا يرتبط بمرحلة أو حدث سياسي واحد وإنما يتعلق بمجمل الأحداث والوقائع والعمليات السياسية المتراكمة والمرتبطة ببعضها البعض والتي تحتاج إلى عملية معقدة لتجزئها وتفكيكها حتى يصل المحلل من خلالها إلى نتيجة تؤدي إلى حل أو حلول أو مخرج للازمات السياسية وهذا ينطبق على السياسات الداخلية والخارجية ونجاح التحليل السياسي العلمي يكمن في التنسيق بين مؤسسة صناعة القرار السياسي وصانعي السياسات وبين مؤسسات مراكز الدراسات والتحليل السياسي.

يمكن القول هنا كلما اتسعت الفجوة بين رجل الدولة وصانع القرار وبين رجل التحليل السياسي المنطقي والواقعي كانت النتيجة هي التيه السياسي وعدم اتخاذ القرار السياسي الصائب والسليم الذي يخدم مصلحة الدولة وصولاً لمصلحة عامة الناس العاديين.

رجل التحليل السياسي هو ذلك المفكر الواقعي والمنطقي والحيادي القادر على فهم ما يدور في العالم من أحداث ويستطيع تحليلها وربطها واكتشاف مدى تأثيرها على رجل الدولة وصانعي القرار السياسي والسياسات العامة في تلك الدولة التي ينتمي إليها.

لا يمكن اليوم لأي كيان سياسي معاصر العيش بمعزل عن الأحداث السياسية والاقتصادية والعسكرية في عالم اليوم ومن الخطأ أن يكون التحليل مبني على وقائع وأحداث محلية فقط تخدم طموحات وأوهام صانعي القرار السياسي وتخدم شخصية المحلل السياسي ومصالحه ومصالح بعض صانعي القرار الضيقة والمحدودة أو الحزبية، فكلما كان التحليل السياسي أكثر واقعية وحيادية كان القرار السياسي أكثر صواباً سواء كان متعلق بالشأن الداخلي أو الخارجي.

على سبيل المثال في السياسية الداخلية واقع المجتمع الذي ترتفع فيه نسب البطالة والفقر بشكل متزايد بسبب حالة اقتصادية متهالكة وفساد منظم بحاجة إلى قراءات تحليلية منطقية وحيادية وإيجاد حلول فورية تسهم في التخفيف من حدة الاحتقان الشعبي، لأن حالة الفقر والبطالة مسبب رئيسي للجريمة المجتمعية المنظمة المؤدية لانعدام الأمن بكل مفاهيمه المجتمعية كالأمن على الحياة والأمن الغذائي والأمن الصحي وجميعها وقائع قد تؤثر على السلطة المحلية الحاكمة وعلى رجال الدولة المتنفذين فيها إذا انعدمت الحلول واتسعت الفجوة بين رجل التحليل الذي يقرأ الواقع بشكل حيادي ومنطقي ويُفسره بشكل علمي وبين رجل الدولة وصانع القرار وبالتالي سوف تقع الكارثة المجتمعية المؤدية إلى انهيار السلطة الحاكمة أو النظام السياسي كنتيجة للسياسات الاقتصادية والاقتصاد المتهالك وسياسات الدولة العشوائية التي تخدم مصالح خاصة أو نتيجة لعدم قراءة الواقع قراءةً تحليلية حياديةً ومنطقية.

إن القرارات السياسية الداخلية والخارجية التي لا تعتمد على قراءة واضحة لتحليل الأحداث والوقائع قد تكون نتيجتها كارثية على الدولة والمجتمع وكذلك تلك التحليلات التي لا يتم بنائها على أُسس منهجية وسليمة قد تودي الى نتائج كارثية وآثار سلبية وعدد الضحايا في هذا المجال أكبر بكثير من أي مجال آخر من العلوم وقد تصبح الشعوب أو النظم السياسية والدول والأحزاب والجماعات ضحايا ناتجه عن التحليل السياسي الغير واقعي والمبني على الأهواء والطموح الشخصي والعوائد المادية والمبني على أُسس غير علمية. فعلياً قد تؤدي على المدى البعيد والقصير الى سقوط منظومات سياسية واجتماعية وأمه بسببها.

لا بدّ في هذا السياق أن نفهم الفرق بين الرأي وطرح الفكرة أو حتى الحل السياسي لقضية محددة أو أزمة عابرة وبين التحليل السياسي لقضايا سياسية مصيرية وقرارات مصيرية وهناك فرق بين التوقع والمقال المجتمعي والسياسي الذي يطرح فكرة ومسألة محدودة وحلها وبين التحليل السياسي بمفهومه الشامل.

بكل الأحوال إن كل ما يكتب بمصداقية وحيادية وواقعية في المجال السياسي وغير السياسي يخدم المصالح العامة بطريقة إيجابية ويؤدي إلى نتائج إيجابية وكل ما يكتب تبعاً للأهواء والطموح والمصالح الخاصة قد يؤدي إلى نتائج كارثية وآثار سلبية على الحزب السياسي والدولة والأفراد والجماعات والمنظومات السياسية والعسكرية والاقتصادية والمجتمعية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

سائد أبو عيطة

كاتب وباحث فلسطيني درس التاريخ والعلوم السياسية كاتب للمقال السياسي ومهتم بالقضايا السياسية نشر عدد من المقالات على صحف محلية وعربية وعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى