علوم وصحة

في علم الفلسفة، هل يعتبر الإنسان حيوانًا؟

علم الفلسفة وحيونة الإنسان

لقد كان العالم الفيلسوف الإغريقي أرسطو يقول أن الإنسان حيوان سياسي! وقال الفيلسوف جون لوك أنه حيوان اجتماعي. وقد تبدو الإجابة متمايزة بعض الشيء إلا أنها تجيب بوضوح على السؤال الذي شغل الإنسان منذ القدم: نعم الإنسان حيوان سواء كان اجتماعيًا أو سياسيًا، أو حتى فيلسوفًا!
في أساطير الحضارات القديمة ليس سهلًا وضع حدود بين الإنسان والحيوان والآلهة! فنجد زيوس يتخذ هيئة الثور لاختطاف الأميرة أوروبا! ومن منا لم يرى الآلهة الفرعونية التي شبهها أحد شعراء الرومان بالآلهة البشعة التي تشبه الحيوانات!
ولا نغفل وجود الكائنات الخرافية التي تمتزج فيها الهيئة الحيوانية مع الإنسانية كحورية الماء والقنطور، إلخ. ومن باب التندر لا يجب أن ننسى أنه في العصور الوسطى تمت محاكمة حيوانات قتلت بشرًا، حتى أن أسقفًا أخرج الفئران من العقيدة لأنها تنقل الطاعون!
أما في الفن والأدب فلطالما استقى الفنان استعارات من عالم الحيوان، وقد ساق القاص إيسوب الحكمة على لسان الحيوانات في قصصه الطريفة المسماة “خرافات (حكايات) إيسوب”.
لندع هذا جانبًا ونناقش الأمر من منظور علمي فلسفي. لقد أثبت العلم وجود تكامل بين الإنسان والحيوانات، دون إنكار ما يميز الإنسان. وقد ساهمت تطورات البيولوجيا ونظرية التطور والإيثولوجيا في دحض الأفكار المعارضة للتكامل، التي تسمى “الخلقية” والتي تضم كلا من الأفكار الدينية أو الأفكار البالية وتستند على مبدأ “مركزية الإنسان” التي يجمع العلماء على عدم منطقيتها.
إننا قريبون للغاية من الحيوانات سواء في الآليات الوراثية والبيوكيميائية والهرمونية والعصبية، ونتشارك 98% من جيناتنا مع الشمبانزي، كما أن هناك عدة أمراض تنتقل بيننا وبين بقية الحيوانات. فعلى الصعيد البيولوجي، نعم نحن حيوانات!
لكن بعض معارضي التكامل، الذين اتخذوا خطوات إلى الأمام، يقرون بنظرية التطور وأننا ننحدر عن الحيوانات، لكن هناك سمات تميزنا حقًا وهي منفصلة تمامًا عن المملكة الحيوانية كالثقافة والأخلاق.. لكن التطورات في علم الإيثولوجيا (علم دراسة سلوك الحيوان) سمح بتفنيد تلك الإدعاءات.
‏1- لا أحد ينكر أن الثقافة الإنسانية معقدة، بل شديدة التعقيد وهذا لا نجده حتى لدى الحيوانات الأكثر تطورًا.
‏2- يجوز لنا القول أن الحيوانات الأكثر تطورا تمتلك عقلا. لكن لا يجب إنكار العقل الفائق الاستثنائي لدى الإنسان.
نجد في المملكة الحيوانية “المبادئ الأولى” لكل ما نقابله بصورة أعقد لدينا. وليس ممكنا فصل الإنسان عن الحيوان في مجال الثقافة بشكل كامل. فالعديد من الأجناس الحيوانية تستخدم أدوات بسيطة، أي إجراء تعديلات على البيئة بغرض تحقيق غاية ما. فيستخدم الشمبانزي أغصانا صغيرة لاصطياد النمل الأبيض وتناول وجبة شهية! ويكسر الجوز بالأحجار! وتعد أعشاش الطيور نوعًا من الأدوات. كما تمتلك الحيوانات القدرة على التواصل المعقد بينها (يجب التمييز بين التواصل واللغة) كإشارات إيمائية، أو إيقاعات صوتية كالطيور والحوت، أو حتى الرقص عند النحل!
وأظهرت أعمال العالم الإيثولوجي فراس دي وال امتلاك جماعات الشمبانزي للحس الأخلاقي المتمثل في إجراءات العقاب والمفاوضات والعناية والعفو إلخ.
إن العديد من الحيوانات تبدي تفضيلًا جماليًا لبعض الألوان والتشكيلات التي ترتبط غالبًا بالحياة الجنسية كما يقول العلماء. لكن يبدو أن هذا الحس الجمالي عاجز عن خلق أداة فنية كالرسم والنحت. ما يطرح تساؤلًا عن معنى الوقت لدى الحيوانات (نتناوله في مقال آخر) فإني أرى أن “خلق تجربة معاشة داخل الزمن” وانشغال الإنسان بمستقبله هو سر تميزه الابداعي والعلمي.
وبعد أن رأينا أن الثقافة والأخلاق متأصلة في الطبيعة، نطرح السؤال مجددًا: هل نحن حيوانات؟ نعم نحن حيوانات،حيوانات متميزة!

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى