مدونات

في عالم ما بعد كورونا: المستبدون سيجعلون حياتك أكثر رعبًا

تواجه البشرية الآن أزمة عالمية، وقد تكون أكبر أزمة يشهدها جيلنا. مما يتيح التساؤل حول ملامح عالم ما بعد كورونا فمن المحتمل أن تشكل القرارات التي يتخذها الناس والحكومات في الأسابيع القليلة المقبلة العالم لسنوات قادمة، إذ لن ترسم معالم أنظمة الرعاية الصحية لدينا فحسب، بل أيضًا اقتصادنا وسياستنا وثقافتنا. يجب علينا التصرف بسرعة وحسم، والأخذ بعين الاعتبار العواقب طويلة المدى المترتبة على أفعالنا. وعند الاختيار بين البدائل، من الواجب أن نسأل أنفسنا كيفية التغلب على التهديد المباشر، ولكن أيضًا أي نوع من العالم سنعيش فيه بمجرد مرور العاصفة. نعم، ستمر العاصفة، وستظل البشرية على قيد الحياة، وسيظل معظمنا على قيد الحياة – غير أننا سنعيش في عالم مختلف.

يتنبأ الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح حراري، في مقال له على موقع فينانشال تايمز، عن عالم ما بعد كورونا أن العديد من تدابير الطوارئ قصيرة الأجل ستصبح رمزًا ثابتًا من رموز الحياة، إذ هذه طبيعة حالات الطوارئ، بحيث تُسرع عجلة العمليات التاريخية. ويمكن للقرارات التي ستسغرق استخاذها في الأوقات العادية سنوات من المداولات، أن يتم إصدارها في غضون ساعات، ويتم الدفع بالتكنولوجيا حتى الاستخدام الخطير منها في خدمة الأهداف، لأن مخاطر عدم القيام بأي شيء أكبر. تُستعمل دول بأكملها كفئران تجارب في التجارب الاجتماعية واسعة النطاق. ماذا سيحدث عندما يعمل الجميع من المنزل ويكتفون بالتواصل عن بعد؟ ماذا سيحدث عندما تتصل المدارس والجامعات بأكملها بالإنترنت؟ في الأوقات العادية، لن توافق الحكومات والشركات والمجالس التعليمية على إجراء مثل هذه التجارب. لكن هذه الأوقات ليست عادية.

في ظل هذه الأزمة، نواجه خيارين بالغي الأهمية؛ أولهما يكمن بين المراقبة الشمولية وتمكين المواطنين، وثانيهما بين العزلة الوطنية والتضامن العالمي.

مراقبة «تحت الجلد»

يجب على جميع السكان الامتثال لمبادئ إرشادية معينة، من أجل كبح جماح نفشي الوباء. ولتحقيق ذلك، توجد طريقتان رئيسيتان: تكمن إحداهما في أن تراقب الحكومة الأفراد، وتعاقب أولئك الذين يخالفون القواعد. اليوم، ولأول مرة في تاريخ البشرية، تتيح التكنولوجيا مراقبة الجميع طوال الوقت. قبل خمسين عامًا، لم يكن باستطاعة وكالة المخابرات السوفيتية KGB مراقبة 240 مليون مواطن سوفياتي على مدار 24 ساعة، ولا يمكن لـها أن تأمل في معالجة جميع المعلومات التي تم جمعها بشكل فعال. اعتمدت الKGB على عملاء ومحللين بشريين، ولم تتمكن من وضع عميل بشري لتعقب كل مواطن. غير أنه يمكن للحكومات الآن أن تعتمد على أجهزة استشعار منتشرة في كل مكان وخوارزميات قوية بدلاً من التعويل على الإنسان.

واستخدمت عدة حكومات بالفعل، في معركتها ضد وباء فيروس كورونا، أدوات المراقبة الجديدة، منها دولة الصين. فمن خلال مراقبة الهواتف الذكية للأشخاص عن كثب، والاستفادة من مئات الملايين من كاميرات للتعرف على الوجه، وإلزام الأشخاص بفحص درجة حرارة أجسامهم وحالتهم الطبية والإبلاغ عنها. لذا أصبح بإمكان السلطات الصينية أن تحدد بسرعة من يُشتبه أن يكون حاملًا لفيروس كورونا، بجانب تتبع تحركاتهم و التعرف على أي شخص اتصلوا به. كما تحذر مجموعة من تطبيقات الهاتف المحمول المواطنين من قربهم من المرضى المصابين.

لا يقتصر هذا النوع من التكنولوجيا على شرق آسيا، فقد سمح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مؤخرًا، لوكالة الأمن الإسرائيلية بنشر تكنولوجيا المراقبة -المخصصة عادة لمحاربة الإرهابيين- لتعقب المرضى المصابين بفيروس كورونا. وعندما رفضت اللجنة الفرعية البرلمانية المعنية الموافقة على الإجراء، مرره نتنياهو  عبر “مرسوم الطوارئ”.

قد يجادل المرء بأنه ليس ثمة شيء جديد حيال كل هذا. ففي السنوات الأخيرة، استخدمت كل من الحكومات والشركات تقنيات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى لتتبع ومراقبة الناس والتلاعب بهم. ومع ذلك، إذا لم نكن حذرين، فقد يؤذن الوباء بفصل هام في تاريخ المراقبة، إذ إن نشر أدوات المراقبة الجماعية في عالم ما بعد كورونا ستشير إلى تحول جذري من المراقبة “فوق الجلد” إلى مراقبة “تحت الجلد”.

عندما لمس إصبعك يدك شاشة هاتفك الذكي حتى الآن ونقرت على رابط ما، أرادت الحكومة أن تعرف بالضبط ما كان إصبعك ينقر عليه. ولكن مع فيروس كورونا، يتحول تركيز الاهتمام. أما الآن فإن ما تريده الحكومة هو معرفة درجة حرارة إصبعك وضغط الدم تحت جلده.

في عالم ما بعد كرونا هل نتحول لروبوتات؟

تتمثل إحدى الصعوبات التي نواجهها، في عالم ما بعد كورونا تحديد موقفنا من المراقبة في أنه لا أحد منا يعرف بالضبط كيف تتم مراقبته، وما قد تجلبه السنوات القادمة. حيث تتطور تكنولوجيا المراقبة بسرعة فائقة، وما بدا بمثابة خيال علمي قبل 10 سنوات أضحى اليوم أخبار قديمة. كتجربة فكرية، تخيل حكومة افتراضية تطالب بأن يرتدي كل مواطن سوارًا بيولوجيًا يراقب درجة حرارة الجسم ومعدل ضربات القلب على مدار 24 ساعة في اليوم، بحيث تُجمع الخوارزميات الحكومية البيانات الناتجة وتُحللها. ستعرف الخوارزميات أنك مريض حتى قبل أن تعرفه أنت، وستعرف أيضًا أين كنت، ومن قابلت. يمكن تقصير سلاسل العدوى بشكل كبير، وحتى قطعها بالكامل. يمكن القول أن مثل هذا النظام يمكنه الحد من انتشار الوباء في غضون أيام.

الجانب السلبي بالطبع هو أن هذا سيضفي الشرعية على النظام مراقبة جديدة مرعبة. إذا كنت تعلم، على سبيل المثال، أنني نقرت على رابط لموقع Fox News بدلاً من رابط CNN، فذلك من شأنه أن يُخبرك شيئًا عن آرائي السياسية وربما حتى شخصيتي. ولكن إذا تمكنت من مراقبة ما يحدث لدرجة حرارة جسدي وضغط الدم ومعدل ضربات القلب أثناء مشاهدة مقطع فيديو، يمكنك معرفة ما يجعلني أضحك، وما الذي يجعلني أبكي، وما يُثير غضبي.

من المهم أن نتذكر أن الغضب والفرح والملل والحب ظواهر بيولوجية مثل الحمى والسعال، ويمكن للتكنولوجيا نفسها التي تتعرف على السعال أن تتعرف على الضحكات أيضًا. إذا بدأت الشركات والحكومات في جمع بياناتنا البيومترية بشكل كبير، فيمكنها التعرف علينا بشكل أفضل بكثير مما نعرف أنفسنا، ومن ثم لا يمكنها فقط التنبؤ بمشاعرنا، بل وأيضًا التلاعب بمشاعرنا وبيعنا أي شيء يريدونه – سواء كان ذلك منتجًا أو رجل سياسة. من شأن المراقبة البيومترية أن تجعل أساليب اختراق بيانات التي انتهجتها Cambridge Analytica تبدو وكأنها شيء من العصر الحجري. تخيل كوريا الشمالية في عام 2030، عندما يضطر كل مواطن إلى ارتداء سوار بيومتري على مدار 24 ساعة في اليوم. إذا استمع إلى خطاب القائد العظيم والتقط السوار علامات الغضب الواضحة عليه، فقد ينتهي أمره.

يمكن للمرء، بالطبع، تبرير المراقبة البيومترية كإجراء مؤقت يتم اتخاذه أثناء حالة الطوارئ، وستزول حالما تنتهي حالة الطوارئ. بيد أن التدابير المؤقتة لها عادة سيئة تكمن في أنها  تستمر إلى ما بعد  انتهاء حالات الطوارئ، خاصة وأن هناك دائمًا حالة طوارئ جديدة تلوح في الأفق. على سبيل المثال، أعلنت إسرائيل، حالة الطوارئ خلال حرب الاستقلال عام 1948، وبرَّرت مجموعة من الإجراءات المؤقتة كالرقابة على الصحافة، ومصادرة الأراضي، بل وصلت لحد وضع لوائح خاصة لصنع حلوى البودينغ (وأنا لا أمزح هنا). ومنذ ذلك الحين لم تعلن إسرائيل أبدًا عن انتهاء حالة الطوارئ! وفشلت في إلغاء العديد من الإجراءات المؤقتة لعام 1948 (بالمناسبة، أُلغي مرسوم بودينغ الحلوى الطارئ في عام 2011).

حتى عندما تنخفض الإصابة بفيروس كورونا إلى الصفر، يمكن لبعض الحكومات المتعطشة للبيانات أن تجادل بأنها بحاجة إلى إبقاء أنظمة المراقبة البيومترية في مكانها لأنها تخشى حدوث موجة ثانية من فيروس كورونا، أو لأن هناك سلالة جديدة من فيروس إيبولا تتطور في وسط أفريقيا. كانت هناك معركة حامية تدور رحاها في السنوات الأخيرة حول خصوصيتنا. وقد تكون أزمة فيروس كورونا نقطة التحول في المعركة. فعندما يُخير الناس بين الخصوصية والصحة، فإنهم عادة ما يختارون الصحة.

الخيار الخادع

إن مطالبة الناس بالاختيار بين الخصوصية والصحة هو في الواقع منبع المشكلة. لأن هذا خيار خادع في عالم ما بعد كورونا إذ يمكننا وينبغي أن نتمتع بالخصوصية والصحة معًا؛ يمكننا أن نختار حماية صحتنا ووضع حد لانتشار فيروس كورونا ليس عن طريق إنشاء أنظمة مراقبة استبدادية، بل عن طريق تمكين المواطنين. ففي الأسابيع الأخيرة، نظمت كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة جهود طواقهما الطبية لاحتواء وباء فيروس كورونا. وفي حين أن هذه البلدان قد استخدمت بعض تطبيقات التتبع، فقد اعتمدت بشكل أكبر على فحوصات مكثفة، وعلى تقارير صادقة، وعلى التعاون الطوعي من جانب جمهور مطلع.

إن المراقبة المركزية والعقوبات القاسية ليستا الطريقتين الوحيدتين لجعل الناس يمتثلون للإرشادات المفيدة. عندما يتم إخبار الناس بالحقائق العلمية، وعندما يثق الناس في السلطات العمومية لإخبارهم بهذه الحقائق، يمكن للمواطنين أن يفعلوا الشيء الصحيح حتى بدون أن يراقبهم سلطة مركزية، عادة ما يكون السكان الذين لديهم دوافع ذاتية ووعي أكثر قوة وفعالية بكثير من السكان الخاضعين لإملاءات الشرطة والجاهلين.

فلننظر، على سبيل المثال، في غسل اليدين بالصابون. لقد كان هذا أحد أعظم التطورات على الإطلاق في نظافة الإنسان، إذ إن هذا الإجراء البسيط ينقذ ملايين الأرواح كل عام. وفي حين أننا نعتبره أمرًا مسلمًا به، لم يكتشف العلماء أهمية غسل اليدين بالصابون إلا في القرن التاسع عشر. في السابق، حتى الأطباء والممرضات انتقلوا من إجراء العملية الجراحية دون أيديهم. واليوم يغسل مليارات الأشخاص أيديهم يوميًا، ليس لأنهم يخافون من “شرطة الصابون”، ولكن لأنهم يفهمون الحقائق؛ حيث يغسلون أيديهم بالصابون لأنهم سمعوا عن الفيروسات والبكتيريا، وفهموا أن هذه الكائنات الدقيقة تسبب الأمراض، ويعلمون بأن الصابون يمكنه القضاء عليها.

ولكن لتحقيق مثل هذا المستوى من الامتثال والتعاون، يحتاج المرء للثقة؛ يحتاج الناس لأن يثقوا بالعلم، وبالسلطات العمومية، ووسائل الإعلام. على مدى السنوات القليلة الماضية، قوض السياسيون غير المسؤولين عمدًا الثقة في العلوم والسلطات العامة ووسائل الإعلام. الآن قد يميل هؤلاء السياسيون غير المسؤولين إلى سلك الطريق السريع نحو الاستبداد، بحجة أنه لا يمكن الوثوق في العامة لفعل الشيء الصحيح.

عادةً، الثقة التي تقلصت لسنوات لا يمكن إعادة بنائها بين عشية وضحاها. ولكننا لسنا بصدد أجواء عادية. ففي لحظات الأزمة، يمكن للعقول أيضًا أن تتغير بسرعة. يمكن أن تنشب بينك وبين أشقائك جدالات مريرة لسنوات، ولكن عندما تأتي بعض حالات الطوارئ، تكتشف فجأة مخزونًا خفيًا من الثقة والمحبة، وتسرع في مساعدة بعضكم البعض. بدلاً من بناء نظام مراقبة، فلم يفت الأوان لإعادة بناء ثقة الناس في العلوم والسلطات العامة ووسائل الإعلام.

بالتأكيد يجب علينا الاستفادة من التقنيات الجديدة أيضًا، ولكن هذه التقنيات يجب أن تمكن المواطنين. أنا أؤيد مراقبة درجة حرارة جسمي وضغط الدم، ولكن لا ينبغي استخدام هذه البيانات لإنشاء حكومة قوية، إذ بدلاً من ذلك، ينبغي أن تمكنني هذه البيانات من اتخاذ خيارات شخصية مستنيرة، وكذلك محاسبة الحكومة على قراراتها.

إذا تمكنت من تتبع حالتي الطبية الخاصة على مدار 24 ساعة في اليوم، فسأعرف ليس فقط ما إذا كنت أشكل خطرًا صحيًا على الآخرين، ولكن أيضًا أي عادات تساهم في زيادة صحتي. وإذا تمكنت من الوصول إلى إحصاءات موثوقة حول انتشار فيروس كورونا وتحليلها، فسأتمكن من الحكم على ما إذا كانت الحكومة تُخبرني بالحقيقة أم لا، وما إذا كانت تتبنى السياسات السليمة لمكافحة الوباء. عندما يتحدث الناس عن المراقبة، لنتذكر أن نفس تكنولوجيا المراقبة يمكن استخدامها عادة ليس فقط من قبل الحكومات لمراقبة الأفراد – ولكن أيضًا من قبل الأفراد لمراقبة الحكومات.

وبالتالي فإن وباء فيروس كورونا لهو اختبار رئيسي للمواطنة. في الأيام المقبلة، يجب على كل واحد منا الثقة في البيانات العلمية وفي خبراء الرعاية الصحية ضد نظريات المؤامرة التي لا أساس لها، والسياسيين الذين يخدمون أنفسهم. إذا فشلنا في اتخاذ القرار السليم، فقد نجد أنفسنا نتنازل عن حريتنا الثمينة، معتقدين أن هذه هي الطريقة الوحيدة لحماية صحتنا.

قيادات العالم أصاحبها شلل جماعي

يكمن الخيار الثاني المهم الذي نواجهه في العزلة الوطنية والتضامن العالمي. في أن الوباء نفسه والأزمة الاقتصادية الناتجة عنه مشكلتان عالميتان، لا يمكن حلهما بشكل فعال إلا من خلال التعاون العالمي.

أولاً وقبل كل شيء، ومن أجل هزيمة الفيروس، فإننا سنحتاج إلى أن نتشارك المعلومات مع العالم، وهذه هي الميزة الكبرى للبشر على الفيروسات؛ ففي الصين، والولايات المتحدة لا يقومان بتبادل النصائح حول كيفية إصابة البشر.  غير أنه يمكن للصين أن تُعلم الولايات المتحدة العديد من الدروس القيمة حول هذا الفيروس وكيفية التعامل معه، إذ إن ما يكتشفه طبيب إيطالي في ميلانو في الصباح الباكر، ربما ينقذ الأرواح في طهران في المساء.  وعندما تتردد حكومة المملكة المتحدة في المفاضلة بين العديد من السياسات، فبإمكانها الحصول على المشورة من الكوريين الذين واجهوا بالفعل المعضلة نفسها قبل شهر. ولكن لكي يحدث كل ذلك، فإننا نحتاج إلى روح التعاون والثقة العالمية.

يجب أن يتوفر للبلدان الاستعداد لتبادل المعلومات بشكل مفتوح، وبتواضع للحصول على النصح، ولابد أن تكون البيانات والآراء التي تتلقاها ذات ثقة، كما نحتاج  لبذل جهد عالمي لإنتاج المعدات الطبية وتوزيعها، وبشكل خاص اختبارات كواشف الفيروس وأجهزة التنفس. فبدلاً من محاولة كل دولة القيام بذلك محليًا وتكديس كل المعدات التي يمكنها الحصول عليها، فإنه يمكن لجهد عالمي منسق أن يسرع الإنتاج إلى حد كبير، ويضمن توزيع المعدات الضرورية للحفاظ على الحياة بشكل أكثر عدالة.

ومثلما تقوم الدول بتأميم الصناعات الرئيسية خلال الحرب؛ فإن حرب الإنسانية ضد فيروس كورونا قد يتطلب منا “إضفاء الطابع الإنساني” على خطوط الإنتاج الحاسمة. فالدولة الغنية التي سجلت عددًا قليلًا من حالات الإصابة بفيروس كورونا يجدر بها أن تكون على استعداد لإرسال المعدات الطبية الثمينة إلى بلد أفقر يعاني من العديد من الحالات، ولابد أن تسود الثقة بين الجميع من أنه إذا ما احتاجت أي دولة للمساعدة بعد ذلك، فستهب البلدان الأخرى لمساعدتها.

وقد نفكر أيضاً في جهد عالمي مماثل لتوحيد جهود العاملين في المجال الطبي. فيمكن للبلدان الأقل تأثراً في الوقت الحالي أن ترسل أطقم طبية إلى المناطق الأكثر تضرراً في العالم، من أجل مساعدتها في أوقات الحاجة، ومن أجل اكتساب المزيد من الخبرة القيّمة. فإذا ما انتقل الوباء في وقت لاحق إلى مكان آخر، فيمكن أن تبدأ المساعدة في التدفق في الاتجاه الآخر.كما أن التعاون العالمي في المجال الاقتصادي يعتبر ذا أهمية كبيرة أيضاً. وبالنظر إلى الطبيعة العالمية للاقتصاد وسلاسل التوريد، فإنه لو انفردت كل حكومة بعملها الخاص، وتجاهلت الحكومات الأخرى بشكل تام، فستكون النتيجة فوضى وأزمة عميقة. ولذلك نحتاج إلى خطة عمل عالمية وبشكل عاجل.

وهناك أمر آخر يتعلق بالتوصل إلى اتفاق عالمي بشأن السفر، فإن تعليق جميع رحلات السفر الدولية لأشهر قد تسبب في مشاكل هائلة، وهو يعرقل الحرب ضد فيروس كورونا. لذا تحتاج الدول إلى التعاون مع بعضها البعض من أجل السماح لعدد قليل من المسافرين لمواصلة عبور الحدود: مثل العلماء، والأطباء، والصحفيين، والسياسيين، ورجال الأعمال. ويمكن القيام بذلك من خلال التوصل إلى اتفاقية عالمية لتنظيم عملية الفحص المسبق للمسافرين من قبل بلدانهم قبل سفرهم. فإذا علمت بأنه لن يُسمح إلا للمسافرين الذين يتم فحصهم بعناية بركوب الطائرة، فإنك ستكون عندها أكثر استعدادًا لقبولهم في بلادك.

الدور الأمريكي: ترامب مهتم بنفسه وخذل الأصدقاء

لسوء الحظ، فإن البلدان الحالية بالكاد تفعل أيًا من تلك الأشياء! فقد أصاب المجتمع الدولي الشلل الجماعي، ويبدو أنه لا يوجد بالغون عقلاء. فقد كان المرء يتوقع أن يرى قبل أسابيع اجتماعًا طارئًا لقادة العالم من أجل التوصل لخطة عمل مشتركة. ورغم تمكن قادة مجموعة السبع من تنظيم مؤتمر عن بعد هذا الأسبوع فقط، فإنه لم يسفر عن أي خطة من هذا القبيل!
وفي الأزمات العالمية السابقة (مثل: الأزمة المالية لعام 2008، أو وباء إيبولا 2014)، تولت الولايات المتحدة آنذاك دور القائد العالمي. غير أن الإدارة الأمريكية الحالية تخلت عن وظيفة القائد. وقد أعلنت الأمر بوضوح؛ حيث إنها تهتم بعظمة أمريكا أكثر من اهتمامها بمستقبل البشرية.

لقد تخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حتى عن أقرب حلفائها عندما حظرت جميع رحلات السفر من الاتحاد الأوروبي إليها، ولم تكلف نفسها عناء إعطاء الاتحاد الأوروبي إشعارًا مسبقًا، فضلًا عن التشاور معه حول هذا الإجراء الصارم، إضافة لقيامها بإحراج ألمانيا من خلال الدعوة التي ذُكر فيها تقديمها مليار دولار إلى شركة أدوية ألمانية من أجل شراء حقوق احتكار لقاح جديد لـفيروس Covid-19.

وعلى أي حال، فحتى لو قامت الإدارة الأمريكية الحالية في نهاية المطاف بتغيير مسارها، ووضعت خطة عمل عالمية، فإن القليل من الدول ستتبع زعيمًا لا يتحمل المسؤولية مطلقًا، ولا يعترف أبداً بالأخطاء، ويحاول أن ينسب كل الفضل بشكل روتيني لنفسه، ويلقي دائماً كل اللوم على الآخرين.

إذا لم يتم ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة من قبل دول أخرى، فإنه لن يكون من الصعب فقط إيقاف الوباء الحالي، بل من المتوقع أن يستمر إرثه في عالم ما بعد كورونا يسمم العلاقات الدولية لسنوات قادمة. ومع ذلك، فإن كل أزمة ربما تكون فرصة أيضًا، ويجب علينا أن نأمل بأن يساعد هذا الوباء الحالي البشرية في إدراك الخطر الشديد الذي يشكله الانقسام العالمي.

تحتاج البشرية إلى الاختيار، فهل سنسير في طريق الانقسام، أم أننا سنتبنى طريق التضامن العالمي؟  وإذا اخترنا الانقسام، فلن يؤدي ذلك إلى إطالة أمد الأزمة فحسب، بل سيؤدي على الأرجح إلى كوارث أسوأ تنعكس في عالم ما بعد كورونا وإذا اخترنا التضامن العالمي، فسيكون هذا نصرًا ليس فقط على فيروس كورونا، ولكن على جميع الأوبئة والأزمات المستقبلية التي قد تفتك بالبشرية في القرن الحادي والعشرين.

المصدر: مقال للكاتب والمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوح حراري، على موقع فينانشال تايمز.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ياسين ادوحموش

مترجم ومدون من المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق