مدونات

في زمن كورونا.. إعادة اكتشاف الذات والوجه الآخر للبشرية

أتت إلينا كورونا بمنحها التي لا نريد أن نراها ونغط الطرف عنها عمداً، أتت إلينا بالكثير من الأشياء التي جعلتنا نفهم ما عجزت آلاف الكتب والمحاضرات والكثير من المواعظ عن أن نفهمه.

أتت إلينا بنعم ومنح كثيرة لتغيرنا نحو الأفضل، لنستعيد ذواتنا الإنسانية، ونكتشف ذواتنا المنسية التي تاهت منا في غمرة الأحداث، وذابت مع سرعة الحياة، فما عدنا نستطيع التعرف إليها إن هي قابلتنا ذات يوم، جاءت إلينا كورنا لتطرق ناقوس الخطر على بشر لم يعودوا يشبهوا البشر في شيء، أتت إلينا لتوقظنا من غفلتنا إن أردنا ذلك بالطبع!

أعظم تلك المنح التي أتت بها كورونا هي منحة الحظر، فكرة أن نمكث قليلاً مع ذواتنا، أن نعيد اكتشاف أنفسنا، أن نستريح قليلاً من عناء الطريق ونتبين كيف كانت وجهتنا، ومدى صحة الطريق من الأساس، ليس بالأمر الهين ولا هو بالأمر المتاح دائماً في ظل عالم كهذا، وفي ظل سباق محموم حول اللحاق بالركب خشية أن يفوتنا القطار، لتصبح حياتنا ككل عبارة عن سباق بلا خط نهاية ولا جائزة للفائز، يصبح التأمل في الوجهة وتبين الطريق رفاهية لا محل لها من الإعراب!

البعض منا أرعبته الفكرة؛ فكرة أن يختلي بنفسه، نفسه تلك التي لا يحتمل ضجيجها وصخبها، ولا يحتمل كذلك كل تلك الأسئلة التي سيطرحها على نفسه، تلك الأسئلة التي كان يهرب منها عمداً في زحمة الأحداث والأشخاص ومن ثم ينساها في غمرة الأيام، ولكن الحظر فاجأه والوحدة ضجت مضجعه فآن له أن يحزن، يحزن لأنه ببساطة أصبح يرى كم الوجهات الخاطئة وكم النهايات الغامضة وكم القرارات الكارثية التي أقدم عليها.

بات يعلم وهو لا يريد أن يعلم كم أضاع عمره في اللا شيء، وكم كانت ضريبة السير خلف القطيع مكلفة، وكم وكم، ولكن تغيير الوجهة وقلب المسار ليس بالهين ولا باليسير، بل يحتاج لشجاعة أضحت في ظل زماننا هذا نادرة، ولذلك نفضل التسويف والهرب حتى ولو كان الهرب من أنفسنا.

البعض نبهه الحظر لمدى فشله، لمدى غربته عن أقرب الناس إليه، لأي مدى كانت الحياة قاسية لا ترحم بسبب بعض البشر الذين جعلوها كذلك، وحولوها لمجرد حسابات رقمية وأرصدة بنكية ونسوا بشريتهم، وأن واجبهم لا يتمحور في تلك الحياة حول إطعام الأفواه الجائعة وكساء الأجساد البالية، بل هناك وظيفة أرقى لبني البشر قد غفل عنها البشر، حتى استحالوا مسوخاً مشوهة لا تمت لبني البشر بصلة.

في بعض البلدان ارتفعت نسبة الطلاق خلال فترات الحظر، لننتبه لحقيقة مفزعة حول عائلاتنا أو ربما حول أنفسنا، أنفسنا تلك التي تم تنميطها وهندستها للقيام ببعض الوظائف دون أن يكون من نصيبها أن تنتبه لشريك حياتها التي تسكن معه العش ذاته، فلما انتبهت وجدت أن الأمر لا يطاق، وإنها لم تكن من ضمن الأبجديات التي أجادتها أن تتعايش مع الغير، أن تفهم طبيعة العلاقات وأن تعي ما تعنيه مفاهيم كالأسرة والحقوق والواجبات والتضحيات والتفاهم وإلى ما غير ذلك من أسس الحياة الإنسانية.

والبعض الآخر ربما تنبه إلى أن الحضارة المعاصرة رغم تفوقها التقني، إلا إنها تخلف كثيرًا على المستوى الإنساني، ربما تكون الحضارة الغربية أبدعت في البناء للإنسان وساهمت في العمل على رفاهيته، لكنها فشلت تماماً في بناء الإنسان ككائن أخلاقي، وانحطت به إلى أسافل مدارك البوهيمية والحيوانية.

نبهتنا الأزمة إلى التدني الكبير الذي لحق بأخلاق الكثير منا، حتى أصبحت معاني كالنبل والإيثار والتضحية وربما في سياق آخر دفن الموتى بطريقة لائقة معاني غريبة عن واقعنا ولا تمت إليه بصلة، ليصبح الهدف من وجودنا هو هدف البقاء ذاته ليس إلا!

البعض تنبه حين علم أن ثقب الأوزون قد أغلق، وأن الحيوانات قد عادت لتعيش بصفاء وأمن، لكم كان هذا الإنسان مفسداً جباراً، ولمدى صدق حدث الملائكة الذين توقعوا أن ذلك القادم الجديد سيفسد في الأرض وسيسفك الدماء وسيحيل البسيطة خراباً، هذا هو خليفة الله في أرضه الذي للأسف لم يقم بواجبه كما يجب.

بعض الدول تنبهت ولهول المفاجأة إنها على طول السنوات الكثيرة أبدعت في صناعة الموت والاستعداد للتدمير بدلاً عن التفكير في الإحياء والإصلاح، كم كانت الصدمة قوية عندما رأينا انهيار المنظومات الصحية في كبريات الدول، وهي ذات الدول التي شنت الحروب وأبادت الملايين من بني البشر، ولا زالت مستمرة ومستعدة لإبادة الملايين الآخرين، ولكنها في ذات الوقت ليست مستعدة للأحياء، ولم يكن من ضمن أولوياتها الإصلاح والإنقاذ.

تُرى كم هي مدهشة وغريبة مفارقات بني البشر! وتُرى هل سنستفيد نحن من تلك المنحة ونعيد اكتشاف أنفسنا لنعود بشراً كما كنا؟ أم أن القوالب الجاهزة التي صممت من أجلنا ما زلنا غير قادرين على التخلص منها؟ ومازلنا نريد أن نحيا فيها على ذلك النحو المخزي؟!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق