مدونات

في زمن السوشيال ميديا: المعلومات متاحة والحقائق غائبة

لا تحتاج الحقيقة إلى مزيد من العناء للوصول إليها، فالموضوع أيسر من ذلك بكثير وأقرب مما تتخيل، فالعيون بلغتها يمكنها تقصي الحقيقة والقلب يشعر بارتياح إليها، والعقل بمجهود بسيط يتوصل إليها، هناك بديهيات ومسلمات تقطع الشك باليقين، من كان أساسه الديني سليم فلا خوف عليه، الأذن أيضًا عليها دور في سماع الأشياء المقبولة والتي يتقبلها العقل وأن تنفر من الأشياء الدخيلة البعيدة كل البعد عن الحقيقة.

كان أجدادنا لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، ولكنهم كانوا للحكم والأمثال راوين، والمواعظ الحسنة فاعلين، والتعلم من دروس الطبيعة شاربين، فقد نشؤوا على الفطرة وأيقنوا أشياء لا توجد في كتب العلم لكنها مكنتهم من تقصي الحقيقة وتفهمها، فقد كانت عقولهم من الذكاء ما يمنكهم من قراءة الماضي واسترجاع ذكرياته، وحياتهم اليومية المملوءة بالجد والجهد والعمل، وحفظ الشهور ومواسم الزراعة ومواعيد الإستزراع ومواعيد الحصاد وسقوط الأمطار.

كانت المجتمعات في الماضي لا يحملون الساعات في معاصمهم ولكن إن سألتهم عن الوقت لأجابوك بكل دقة بسبب تعلقهم، وهم لا يدرون بعلم الفلك وتعامد الشمس وكيفية بناء مساكنهم بطريقة تحميهم من وطيس حرارتها وعند غروبها يشكرون الله تعالى أن يومهم قد مر مع نهارهم بسلام وحان وقت الرجوع إلى البيوت والخلود للراحة والاستعداد لقدوم الليل وبزوغ القمر ومراحله من ظهور الهلال إلى البدر ودوران الكواكب واسترشادهم بالنجوم.

ودرسوا أيضًا بعقولهم الظل وأوقاته وتبعاته، وأبدعوا في حب النيل ومياهه مصدر حياتهم الوحيد وتعاملوا مع فيضاناته وتدفقات وسريان مياهه التي كانت تحمل العادات والتقاليد والموروثات الشعبية إلى كافة ربوع الوطن، لا يمل الفرد من سماع حكاياتهم وغنائهم ونسج الرباعيات الشعرية الموزونة والتي تهون من حياتهم الصعبة أثناء العمل.

أنشأت تلك المجتمعات أولادهم على قيم الخير والتربية السليمة، وغرزوا قيم الدين في نفوس الصغار منذ نعومة أظافرهم، حلموا لأبنائهم بالمستقبل المشرق وأخذ نصيبهم من العلم والدراسة والتفوق في جميع المجالات من أجل تقصي الحقيقة وبلوغ أعلى مراتب العلم، وتمنوا أن يحققوا النجاح الذي فقدوه نتيجة ظروف كثيرة خارجة عن إرادتهم.

تحية شكر وإجلال وعرفان بالجميل لمن لم يدخروا جهدًا في سبيل إسعادنا ولتكون البداية مع الفلاح زارع الخير ببلادنا، والعامل النشيط بمصنع أو مؤسسة، والموظف الحكومي البسيط، والشيخ العالم الذي أفضي حياته في سبيل تقصي الحقيقة والخطب التي كانت تجتذب الملايين وكانت بمثابة محاضرات أسبوعية جامعة بين حيطان الجامع، أما الآن ومع تقدم الزمن ونيل الأغلبية حصتهم من التعليم والدراسة حتى أرفع الدرجات وتفشي التكنولوجيا في كل مفاصل حياتنا أصبحت الحقيقية غائبة بين كثير من المتناقضات والأساليب الملتوية وربح المؤسسين لهذه المواقع.

وجاءتنا العادات السيئة علي طبق من ذهب تعلن زوال الأخلاق وتردي الألفاظ وعدم الاحترام، في الماضي كانت الحياة بسيطة ونظيفة من كثير من الموبقات، وفي الحاضر تربت الأجيال الجديد على التليفونات الذكية وبرامجها الصالحة والطالحة والألعاب التي يدمنها الكثيرون وتلهيم عن كل شيء حتى الصلاة وذكر الله، بدلًا أن تستفيد البشرية من التقدم وتحاول توعية الأمم ومحاولة تقصي الحقيقة الدامغة والتجمع عن ضمير ضد الظلم والظالمين، صارت المشاحنات هنا وهناك وفرح الآباء بإدمان النت وما يقدمه فهم يتخيلون أن لكل عصر عقول مختلفة فلا مراقبة ولا متابعة للصغار وعندما يكبرون ويصيرون شبابًا ينفك عقدهم ويذهبوا في طريق لا رجعة منه، وينام الأب مرتاحًا وابنه على مواقع التواصل ساهرًا يشاهد ويفكر بفكرهم ويتأسي بخصالهم ويتوهم وهمًا شديدًا بحضارة مستغربة من الخارج مزيفة ومتلونة الأقنعة.

لكل نهضة مزايا وعيوب ولكننا اختصرنا الطريق وأخذنا باليسير وانتشر الذباب الإلكتروني والقراصنة يتحكمون فيما يصل إليك، وكسب البائع وخسر المشتري، ومحيت من الذاكرة قراءة الكتب والثقافة الأدبية وفلسفة الرواية والقصة والشعر والصحيفة الورقية وفريق تحريرها وما تتضمنه من تعليم ووعي ونقد وتفنيد ما بين السطور وعادة إمساك الصفحات وإحساسها بين يديك وتنقل الجريدة من بيت إلي بيت حتى تقرأها القرية جميعًا كل هذا قلما وجد الآن.

سيطرت الشبكة العنكبوتية على عقول وقلوب الأغلبية وكل شيء أصبح متاحًا بالمجان من خبر مسموع وفيديو منشور ولكن من كثر الأخبار أصبح المرء يختار مقتطفات فلا أكمل موضوع ولا فهم خبر ولا وصل إلى تقصي الحقيقة الكاملة، وأنفس تائهة بين دروب الصحراء يصعب على العين على امتداد البصر التأكد من عين الحقيقة.

وبدورها، أفسدت الميديا الذوق العام ونشرت التردي والإسفاف وانحلال الأخلاق مع أفلام ومسلسلات ملهاة للشعوب لكي لا يدركوا الحقيقة المرة ويظلوا في غيبوبة تامة، زاد حب النفس عن المقدار ونسوا حب الأحرار، الذين وهبوا حياتهم في سبيل توفير العيش والعدالة المفقودة والكرامة المنحنية والأيد المكبلة والأرجل المسلسلة والعين المحجوبة والأذن المسدودة واللسان المقطوع.

وبدلًا من أن يكون العلم نبراسًا نمشي عليه جميعًا في سبيل وضع الأمور في نصابها الحقيقي، محيت لغتنا العربية الأم لغة الضاد ولغة القرآن ولغة نبينا المصطفى محمد صل الله عليه وسلم، وأصبح الاقتراب منها جريمة وحسبناها من الأطلال، ولهث البعض إلى تعلم لغة الغرب لا لكي نأمن شرهم وكيدهم ولكن لكي يركبنا بها ويسوقنا إلى حيثما يريد ومن أجل حلم زائف بالتقدم والرقي والرخاء والشموخ المفقود والذي أساسه الثابت موجود في لغتنا العربية وبين ثنايا حروفها وجمال كلماتها ودقة معانيها وروعة تشبيهاتها، وخلوها من التكرار، كلمة منها أو كلمات قليلة منها قد ترشدك إلى الجنة أو تقذفك في النار وبئس المصير وتبقى الحقيقة هي الفيصل في الموضوع.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق