سياسة وتاريخ

في ذكرى ثورة 52.. هل كانت الملكية عهًدا فاسدًا حقًا؟

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الثامنة والستون على انتهاء الفترة الملكية في مصر بعد مغادرة الملك فاروق ملك مصر والسودان، للبلاد فى السادس والعشرون من شهر يوليو عام 1952، من ميناء الإسكندرية على اليخت الملكي “المحروسة” متجهًا إلى منفاه في إيطاليا، بعد أن قام ما سُميَ وقتها تنظيم الضباط الأحرار بإجباره على التنازل عن الحكم وتركه للبلاد بعد أن ظل في الحكم طيلة 16 عامًا منذ عام 1936، اعتقادًا من الضباط الأحرار ووفقًا لبياناتهم، أنه “يجب تطهير البلاد من فساد الملك”.

فمنذ أن قام تنظيم الضباط الأحرار عام 1952 بعزل الملك فاروق، وتمكنوا من حكم البلاد بقيادة اللواء محمد نجيب، وهم عاكفون، على غرار من تولى بعدهم الحكم، على نفس الفكر الخاص بإظهار مساوئ الفترة الملكية في مصر والتى وصفوها في أول بيان لهم ألقاه الضابط محمد أنور السادات المتحدث باسم الضباط الأحرار -وقتها- بأنها كانت فترة رشوة وفساد.

ووظف مجلس قيادة الثورة الإعلام بكافة صوره بل عن طريق الأعمال الفنية سواء أفلام أو مسلسلات وأيضًا المناهج التعليمية، في التأكيد على أن تلك الحقبة الملكية كانت تنتشر فيها الرشوة والفساد، وأنهم جاؤوا ليغيروا حال البلاد للأفضل، حسب زعمهم.

بينما كان للبعض ممن عاشوا تلك الفترة الملكية في مصر رأيٌ أخر، ولكن لم يكن يُسمح بارتفاع تلك الأصوات أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر؛ هذا ما جعل المصريين متفاوتين في تقديرهم لتلك الحقبة الملكية، فمنهم من يؤيد تلك الحقبة ومنهم من يختلف معها، وأصبح السؤال الأكثر شيوعًا حتى الآن هل كان عهد الملكية عهدًا فاسدًا؟

وردى على هذا السؤال، أنه بما أن لكل حقبة سلبياتها وإيجابياتها وبما أنه قد تم التركيز في البضع والستون عامًا الماضية على إظهار السلبيات منذ عهد الرئيس عبد الناصر ثم محمد أنور السادات ثم محمد حسني مبارك، فتعالوا معًا في تلك السطور القليلة لنرى الوجه الآخر للحقبة الملكية ولنتعرف عن أهم الإيجابيات لتلك الفترة الملكية في مصر دون تهوين أو تهويل، وذلك من خلال ما تم سرده فى بعض الكتابات أو من خلال روايات من عاشوا تلك الحقبة ولا زالوا على قيد الحياة، فتعالوا معًا لنلقى الضوء على بعض ما تميزت به تلك الحقبة الملكية.

فبدايةً ومن ناحية الاقتصاد، كان الجنيه المصري خلال الفترة الملكية في مصر قبل 1952، يعادل جنيهًا ذهبيًا، وكان سعر الدولار الأمريكي عام 1950 لا يتجاوز 35 قرشًا – أي أن الثلاثة دولارات بجنبه، وكانت الزراعة تأخذ نصيب الأسد في حدود الدولة المترامية الأطراف حيث كانت المملكة تشمل القطر المصري والسودان وغزة، وكانت المصانع الإنجليزية في مدينتي مانشستر سيتى ويوركشاير تعتمد على القطن المصري في الصناعة وكانت لدينا أكبر بورصة للقطن على مستوى العالم.

وأقام طلعت حرب باشا في تلك الفترة المكية في مصر 43 شركة أساسية في جميع المجالات باستثمارات وطنية ما زالت تمثل قاعدة قوية للاقتصاد الوطني حتى يومنا هذا.

بل ونظرًا للتطور الاقتصادي الذي كانت تشهده مصر في عصر الملكية كان الأوربيون يلجأون إلى مصر للعمل بها، وقد هرع العديد من الأوربيين إلى مصر خلال الحرب العالمية الأولى 1914 والثانية 1939 للعمل بها، وكانوا يسمونها أرض الفرص ومنارة الشرق، ومنهم من استقر فيها ولم يعد إلى بلاده حتى بعد انتهاء الحرب.

واندمج الأجانب بالحياة المصرية في فترة الملكية في مصر بمزيج حضاري وتعدد ثقافي رائع في بعض المدن المصرية مثل القاهرة والإسكندرية، حيث تركزت فيهما الجاليات الأجنبية وهذا يظهر جليًا من خلال أسماء المحلات التجارية التي فتحها الأجانب في مصر، ومنها على سبيل المثال ( هانو – شيكوريل – عدس – ريفولي – صيدناوي) وغيرهم.

ووصل الأمر أن أقرضت مصر بريطانيا العظمى خلال الحرب العالمية الأولى، وأقرضت بلجيكا بعد انتهاء الحرب لكي تستطيعا أن تعيدا بناءهما بعد الدمار الذي لحق بهما، في حين أننا الآن نطلب من صندوق النقد الدولي وأشقائنا العرب لإقراضنا لكي نستطيع تنفيذ بعض المشروعات.

وفي تلك الفترة الملكية في مصر كانت الدولة قبلة السائحين من كل البلدان العربية والأجنبية، حيث كانت القاهرة والإسكندرية وقتها من أجمل مدن العالم لما كانت تتمتع به شوارعهما من جمال ونظافة، فقد كانت الشوارع الرئيسية تغسل بالماء يوميًا، ذلك بجانب المناطق الأثرية الخلابة التي كانت تتحدث عن تاريخنا العظيم، مما كان يدر دخلًا في خزانة الدولة من تلك السياحة، وكان لدينا أكبر غطاء نقدى فى العالم، وكانت بورصتيّ القاهرة والإسكندرية في المركز الرابع على مستوى العالم.

وفي مجال العلم والثقافة خلال هذه الحقبة الملكية – التي وصفها من جاءوا بعد 1952 بـ”الجهل” – نشأ العديد من المثقفين أمثال عباس محمود العقاد وطه حسين وسلامه موسى وعبد الحميد جودة السحار ويوسف السباعي ونجيب محفوظ و غيرهم، وجميعهم تعلموا في المدارس الحكومية عندما كان في مصر تعليم صحيح بل ومنهم من تخرج من جامعة الملك فؤاد التي تأسست عام 1908.

وكان يوجد أيضًا الجامعة الأمريكية وجامعة الإسكندرية التي تأسست عام 1938، وكان الوافدون يأتون إلى مصر للعلاج والتمريض لما كان للدولة المصرية وقتها في هذا المجال من خبرة حيث كان يحق للطبيب المصري أن يزاول مهنة الطب بأي دولة في العالم دون أي شهادات إضافية، فأي جهل هذا يتحدثون عنه ونحن الآن نرى الطلاب في الإعدادية لا يجيدون القراءة والكتابة وأخطاء الأطباء لا حصر لها.

كما كان للفن الراقي نصيبًا كبيرًا في تلك الفترة الملكية في مصر فظهر محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، ومحمد فوزي، وبيرم التونسي، وزكريا أحمد، والسنباطي وغيرهم الكثير، وكانت بمصر أوبرا تضاهى أوبرات أوربا، كما أنتجت مصر أول فيلم رسوم متحركة عربي عام 1935 تحت اسم “مشمش”، كانت مصر قبلة الفنانين من كل الدول العربية، حيث كان الفن وقتها هادفًا لا يوجد به أي نوع من الابتذال مثلما نرى الآن.

وفي مجال الصحافة تم إنشاء نقابة الصحفين عام 1941 للتعبير عن حرية الرأى ودشنت العديد من الصحف ومنها “أخبار اليوم” على يد مصطفى وعلي أمين عام 1944، وكانت الصحافة مؤثرة فى الوسط المثقف حتى سُميت بعد ذلك بـ”السلطة الرابعة”.

ورفض رئيس الحكومة طلباً للملك فاروق كي يسحب مبلغاً نقدياً على ذمة مخصصاته الملكية قبل أن يعرف أوجه صرفها، وكان الملك يريدها من أجل نفقات زفافه. وخسر خلال الفترة الملكية في مصر مرشح الملك في انتخابات نادى الضباط أمام مرشح غير موال له هو اللواء محمد نجيب.

وفي هذا العهد، قام القضاء المصري الشامخ بتبرئة أنور السادات، ومحمد إبراهيم كامل، وسعيد توفيق، وآخرين من تهمة قتل أحد عملاء الإنجليز رغم أن أركان الجريمة الجنائية كانت واضحة إلا أن وطنية القضاء غلبت على كل شىء آخر، وكانت سلطة البرلمان المعبرة عن رأى الشعب فوق الجميع.

حتى عندما حاصر تنظيم الضباط الأحرار القصر الملكي وطالبوا الملك بالتنازل عن العرش، قال الملك بعض الجمل التى لا زالت تخلد فى الذاكرة إلى الآن مثل “أن الجيش المصري ليس ملكًا لي و إنما هو ملك لمصر ومصر وطني، وإذا كان الجيش قد رأى أن في نزولي عن العرش ما يحقق لمصر الخير فإني أتمنى لها ذلك”.

الفترة الملكية في مصر

وأضاف فاروق: “إن نقطة دم مصرية أثمن عندي من كل عروش الدنيا و الرحيل فورًا أهون على قلبي من سفك دماء مصرية حفاظًا على منصبي”.

وكانت آخر كلمات فاروق موجهة للواء محمد نجيب وهو على يخت المحروسة متجهًا لمنفاه في إيطاليا قائلًا لنجيب: “ليس من السهل حكم مصر يا نجيب”، بل وكانت وصيته قبل وفاته وهو في إيطاليا في المنفى أن يدفن في مقابر العائلة في مسجد الرفاعي في قلب مصر.

اقرأ أيضًا: «الزمن الجميل» لم يكن كذلك.. مصر الملكية الجنة الخادعة التي فضحتها الثورة

اقرأ أيضًا: مصر «أم الخطايا» و«الاحتلال الجميل».. دعاة الشعوبية يكذبون كما يتنفسون

هل كان عهد الملكية عهدا فاسدا ؟!!

عزيزي القارئ هذا جزء من كل وليس معنى هذا أن الفترة الملكية في مصر لم يكن بها فساد ولكن كان يجب على المؤرخين من ناحية الإنصاف أن يذكروا السلبيات والإيجابيات دون إفراط أو تفريط، وإن كان به بعض الفساد فيكفي أنه عندما دارت الأيام وبعد مرور ثمانية وستون عامًا على عزل الملك فاروق، أصبحنا نطلق على أيامه “أيام الزمن الجميل” بل والبعض أطلق على هذه الحقبة الملكية “مصر العظمى”. ويبقى السؤال: هل كان عهد الملكية عهدًا فاسدًا؟!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ياسر بدرى

ياسر بدرى - كاتب صحفى - استشارى حماية الأطفال المعرضين للخطر - استشارى تدريب و بناء قدرات المتطوعين بالجمعيات الأهلية

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق