سياسة وتاريخ

في ذكرى النكسة.. من ألم الهزيمة دروسٌ وعِبر

تمر علينا هذه الأيام الذكرى الثالثة والخمسون للاغتصاب الصهيوني للأراضي العربية، أو ما اصطُلِح على تسميته نكسة 1967 وهي الذكرى التي لم ولن ينساها العرب بوجه عام، والمصريون بوجه خاص، لما تركته من آلام وأحزان في كل بيت عربي ومصري وقتها.

واستيقظ العالم العربي صباح يوم 5 يونيو 1967 م على فاجعة؛ بدايةً من ضرب إسرائيل لقواتنا المسلحة، حيث قصفت تل أبيب الطيران المصري وأجهزت عليه وهو رابض في مطاراته، وتقرر بعد ثلاث ساعات مصير الحرب بين العرب وإسرائيل، وفي غضون ستة أيام، استطاعت إسرائيل أن تحتل خلالها كلًا من؛ قطاع غزة، سيناء، الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف، ومرتفعات الجولان السورية.

لعبت أمريكا الأم الحنون لإسرائيل، دورًا هامًا في تسليح إسرائيل لغزو العرب في 1967، فقد زودت الولايات المتحدة الاحتلال قبل الحرب بمعدات حربية، كما أن طيارين وخبراء أمريكيين من يهود وغير يهود شاركوا في القتال، ناهيك عن باخرة التجسس “ليبرتي” الأمريكية التي كانت راسية قرب الشواطيء المصرية. فقد استطاعت إسرائيل في نواحي مختلفة التشويش على عدد من أجهزة الرادار المصري و إعلام إسرائيل بكل تحركات الجيش المصري ساعة بساعة.

وفي مساء يوم التاسع من يونيو عام 1967 لم يجد عبد الناصر أي مبرر للهزيمة مما دفعه لاختيار قرار التنحي عن منصب رئيس الجمهورية والعودة لصفوف المواطنيين، إلا أن الشعب كان له رأي آخر فتراجع عبد الناصر عن القرار وبدأ فى إعادة حساباته من جديد، والتي على إثرها بدأ إعادة هيكلة الجيش والإعلان عن البدء في حرب الاستنزاف.

ومن رحم الهزيمة يُولد الانتصار، فقد تركت حرب الخامس من يونيو عام 1967 العديد من الدروس والعبر والتي لولاها ما تحققت انتصارات أكتوبر المجيدة بعدها بست سنوات.

فالدرس الأول الذى يجب أن نتعلمه ضروة تغليب شروط الموضوعية والكفاءة على الاعتبارات العاطفية والذاتية، عند اختيار قيادات الدولة، خاصةً في المراكز الرئيسية على قمة النظام.

وتسبب القائد العام للقوات المسلحة، المشير عبد الحكيم عامر، الصديق المقرب للرئيس، بكارثة عسكرية عام 1956، بإصداره أوامر الانسحاب العشوائي من مواقع الكتائب العسكرية، الأمر الذي كبّد القوات المصرية خسائر فادحة لم تظهر للعلن بسبب الانتصارات السياسية المبهرة على العدوان.

ورغم الهزيمة، لم يُحاسب أو يُقيّم أداء المشير “عامر” وإنما ظل بحكم العلاقة الشخصية الوطيدة مع “عبد الناصر”، في مأمن من المساءلة، بل واستمر على قمة الجيش المصري، ملتهياً في أنشطة ثانوية أخرى، عن دوره الرئيسي في تطوير أداء وقدرات القوات المسلحة، وتهيئته لحماية أمن البلاد، إلى أن فاجأتنا الكارثة، فتحطم طيراننا على الأرض، واحتلت قوات العدو الصهيوني كامل سيناء، حتى وقفت على بُعد مائة كيلومتر من العاصمة على ضفة القناة.

ويستفاد من نكسة 1967 درس ثاني هو لابد من فتح المجال للحوار والإنصات للرأى الآخر لعل يكون هو الأصوب والأفضل، ولكن تحكّم مراكز القوى، وتغليب “أهل الثقة” على الخبرة، وغياب تقاليد النقد والنقد الذاتي، وتأليه السلطة وتنزيه الحكّام، أمر خطير فى مسارات الأمم، لأنه يشيع روح التواكل، والسلبية، واللامبالاه، وينشر المحسوبية والرشوة والفساد، ويُعطّل حركة التقدم، ويهدد مناعة الدولة وقدرتها على القيام بدورها، ويقلل من قدرتها على مواجهة التحديات التى تُحيط بها، والتعامل معها بلياقة ومرونة ومبدأية ونجاح.

الدرس الثالث وهو ضرورة أن يتابع المسئول من وقت لآخر الأمور بنفسه للتأكد من صحة المواقف وعدم الاعتماد فقط على التقارير المكتوبة التي أحيانًا يكون مبالغ في كلامها وعدم وصف الأمور بمصداقية كاملة، ومن المؤكد أن تقارير موقفنا العسكري وقتها كانت تعرض على الرئيس عبد الناصر في إطار “كله تمام يا ريس” ويتضح ذلك في خطب الرئيس عبد الناصر الرنانة قبل الحرب والتي وصلت إلى حد تهديد إسرائيل بفنائها.

أما الدرس الرابع ألا و هو ضرورة الشفافية والمصداقية بين المسئولين والمواطنيين، فالخطأ الفادح الذي وقع فيه المسئولين وقت الحرب هو إخفاء حقيقة الموقف العسكري على المواطنيين بل أن الإعلام الرسمي كان من وقت لآخر يعلن عن تقدم وإحراز بطولات وانتصارات لقواتنا المسلحة على طول الجبهة في الوقت الذي كان أبطالنا ما بين شهيد وأسير وجريح، إلى أن وصل الموقف إلى مرحلة لا يمكن إنكراها خاصة وأن الإذاعات الأجنبية وقتها كانت قد أذاعت تقدم إسرائيل واحتلالها لبعض الأراضي العربية، مما دفع عبد الناصر لأخذ قرار التنحى يوم 9 يونيو 1967.

وأخيرًا، درس نكسة 1967 الأول والثاني والعاشر هو أن الديمقراطية ووجود مؤسسات سياسية دستورية تضم أفضل الكفاءات هي فقط عماد قوة الدولة، وليس قرارات منفردة حتى ولو كان زعيمًا ذو كاريزميا ومحبوبًا، وأن الموافقة على قرارت من أهل الثقة دون الإنصات لأهل الكفاءة والخبرة يعد خطئًا كبيرًا يجب ألا يحدث مرةً أخرى.

تحيةً لكل شهيد ولكل جريح سالت دمائه على أرض مصرنا الحبيبة لكي نحيا كرامًا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ياسر بدرى

ياسر بدرى - كاتب صحفى - استشارى حماية الأطفال المعرضين للخطر - استشارى تدريب و بناء قدرات المتطوعين بالجمعيات الأهلية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق