سياسة و تاريخ

في تطور خطاب إسلاميي المغالبة: من مثالية النص إلى موضوعية التاريخ

ثمة حالة من سوء فهم وتبصر بظاهرة وسمت التاريخ السياسي للجزائر عبر جميع أحقاب تقلباته في الجزائر، وهي التطور في المواقف بحسب مستجدات التاريخ ومراجعات الذات، وهي في أعراف المعرفة والثقافة التاريخيتين لدى نخب الغرب أمر صحي وطبيعي، بينما تغدو لدينا في تقاليدنا العربية انتكاسة وردة، وذلك لفرط ربط الفكر بالذات والمِثال بالواقع، أي المتغير بالثابت الناتج عن ضعف مسارات التثاقف وانعدام التفاعل البيني في الحوارية الفكرية الكبرى المفترض أن تتشكل بحكم اتساع نطاقات العقل السياسي والفلسفي داخل حوزات المكان، أي الوطن وحوزات الانتماءات الإيديولوجية والفكرية والثقافية.

من هنا يصبح مؤدى عملية التطور في التجربة والقناعة حالة متلبسة ومُسترابة، من مركز الانتقال إلى مركز الاستقبال، حدث هذا في أكثر من تجربة ربما كانت أجلها تلك التي طبعت تاريخ الحركة الوطنية يوم التحق فرحات عباس بالوطنية قادما من فكر “الاندماج” وهو الذي شك وشكك معرفيا في وجود الأمة الجزائرية، ومثله يحدث على النطاق السياسي مع بعض قادة التيار الإسلامي المغالب الذي كان لا يعترف بغير مرجعيته في الوجود السياسي قبل أن تروضه طاحونة الأحداث وتنفلق نواه الصلبة وينفتح على رؤى متعددة من داخله وخارجه.

في هذا السياق يظهر الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للانقاذ الشيخ علي بن حاج في فيديو يتم تداوله على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، متفاعلا بمشاعره مع الحراك باكيا لصحوة “وطنية” حل محل الصحوة “الإسلامية” يدعو من خلالها إلى مواصلة الحراك كوسيلة ثورية سلمية لتحقيق التغيير، أثر مضمونه عديد النقاشات المتضاربة والمتقاربة في التحليل والتعليل، لا سيما في جزئية قبول الشيخ بالآخر، حين أكد على أحقية كل التيارات في طرح أفكارها وبدائلها وممارسة حقها في العمل السياسي والمجتمعي، سواء أكانت ليبرالية، أم علمانية، أو اشتراكية، أو كيفما كانت قناعتها الفكرية والإيديولوجية، وهو ما نُظر إليه كسابقة على اعتبار أن الرجل في مقتبل عمره السياسي كان يفكر للحاضر داخل الماضي، ليكفر بصريح لسانه بكل النظم والأفكار بما في ذلك الديمقراطية نهجا ومضمونا.

لكن ثمة جزئية محورية في عملية التطور في الفكر والمواقف التي ينبغي الوقوف إزاءها بكثير من التمعن والتدقيق، حتى لا يتلبس البعض ممن نافقوا في الانتقال السياسي بالتبديل المصلحي بحجية التطور، أو يلتبس الفهم على من يرصدون حالة التطور هاته وفق نصوص وقناعات جامدة وآليات فهم بسيطة لا تمكنهم من النفاذ إلى عمق الظاهرة فكرا وعملا.

ففرق شاسع بين من تركوا مساكنهم ودكاكينهم الإيديولوجية والسياسية الأولى وتداعوا لموائد ولائم السلطة السياسية، ممن دجنهم النظام ودجلهم فكرا وسياسة وبين من غادروا بالمراجعة الذاتية للمرجعية ولجزء من تصوراتهم وقتاعتهم الفكرية سواء أكانت نظرية أو عملية مع بقائهم في موقع الرافض لسلطة الأمر الواقع وواقع أمر السلطة.

وسوقنا لمثل التجربة الخاصة للشخصية الوطنية الكبرى فرحات عباس، إنما سعينا من خلاله للتأكيد على قيمة الجانب المعرفي المبدئي كحد فاصل بين الانتفاعية الانتهازية في التحول السياسي والفكري وبين القناعة لتأسيسية القائمة على المعرفة، فالرجل رفض أن يكون أداة في يد سلطة الانقلاب رغم تأييده لها كوسيلة قدر وقتها، و أنها الأنجع لحسم الصراع على السلطة الذي تفجر في صائفة الاستقلال، ولم يقبل أن يمضي في مشروعها الوطني التدجيني.

فالواضح إذن، أن الشيخ علي بن حاج قد وصل إلى حد الاقتناع بأن مساري السياسي والعلمي (النص) ليس يمضيان في حركة التاريخ وفق الإرادة الذاتية بالحرفية التي تسكن المخيلة المبنية على المثالية التاريخية القديمة.

فالمرجعية الفكرية قد تغدو منطلقا في حركة التاريخ لكنها لا تكون نهايته بالمرة، ذلك لأن التاريخ نهر متقدم في جدول الزمن ولا يعود القهقرى، والإخفاق الإسقاطي القسري للتراث كقراءة غير محايدة للتاريخ والتي كان يصبو الشيخ من خلالها للتأسيس السياسي أوصلته في ظل المعطيات غير الكامنة في نصوص التراث تلك، من كينونة وطنية جديدة، وما طرحته على العقل من أسئلة جديدة، – أوصلته – فلربما إلى قناعة جديدة مفادها أن مفهوم الآخر لم يعد بذلك المتصل بالمسألة العقدية، وإنما بالرؤى التفصيلية للتاريخ وانبساطه المكاني المتجدد.

فالشيخ علي بن حاج من خلال ما صار يكتبه وينطق به من خطب اتضح أنه وقف عند المفارقة تلك، بين المرجعية العلمية الثابتة والواقع المتغير، بين صورة العالم السياسي التراثي المسرودة، وحركية عالم السياسة حاليا المرصودة، لم يعد يزاوج بين الأمرين في خطابه التحليلي، ما جعله أكثر واقعية ومنخرطا كبقية التيارات في المشهد السياسي بشكل موضوعي لا مثالي.

لقد ضل خطاب الإسلامي حين ظل فكريا اعتراضيا، وسياسيا معارضا، اعتراضي كونه اكتفى بمواجهة التاريخ لا على أساس النقد بل النقض المؤسس تراثيا على فهم للعلاقة بين العقيدة وحركة التاريخ، وعلى هذا الأساس صار يرفض كل منتج للإنسانية وفق منطق و اقتضى النقض ذلك، فحدث الاصطدام الذي لا يزال غباره يعتم المشهد ويحجب الرؤى.

أما معارضا، فهو وفق بنية تكوينه الفكرية “النقائضية” لا يكتفي بفعل المعارضة السياسية المرتكزة على إدارة مشروع السلطة ونشاطها في تدبيره وبسطه على الواقعي، بل يشمل شرعية المشروع لا بل شرعية الدولة بكيانها الوطني الحديث ذاتها، بدعوى امتلاك الحل الأمثل (الإسلام هو الحل) قبل أن تتاح له فرصة إدارة الدولة بالفضاء العربي في أصعب و أدق مراحله التاريخية، ما بعد الربيع العربي، فيصطدم بمعضلة الفراغ الكبير الناجم عن غيبوبة العقل الإسلامي عن التاريخ، واتضح له أن ما ظل يحمله كان شعارا أكثر من مشروع سياسي، وهذا في تجارب كل من السودان، مصر، و المغرب وتونس، وبذلك صار الكثير منهم ينزل من سحاب خيال المثال المحمول على بساط السرديات القديمة، ويضع أقدامه على أرض التاريخ الصلبة حيث مسرح التدافع البشري المستمر والمتواصل.

فبدعوة الشيخ بن حاج لاستمرار الحراك واعترافه بقوة التغيير الجماعي الذي تشكل مشهده كل القناعات والمشارب الفكرية والسياسية، يكون قد انتقل في تطور مساره السياسي والفكري من جهد التنصيص المثالي إلى السياسة، من خلال ما كتب في بداية التسعينيات عن تكفير الديمقراطية ونقض التحالف بين التيارات السياسية الاسلامية، إلى التسييس التأويلي التاريخي للنص، وفتح قراءة جديدة منبعها المقاربة الواقعية للمرجع وليس العكس، وهو إنجاز في حد ذاته تأتى عن المحنة السياسية التي عاشها الوطن فيما سمي بالعشرية السوداء.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق