مدونات

في الوئام رقي حقيقي

ألا تلاحظون معي أن هناك هوة وتناقض كبير في ثقافة جيلنا الجديد، بين سلطة الدين والهروب من الواقع للافتراض. والتمرد على كل مايرمز للتراث، والالتفات للتراث والتقاليد لاتغدو أن تكون موسمية، في الأعياد والمواسم، وحتى تبادل التحية والأماني لم يعد وجهًا لوجه، خذا لخذ، قبلة لقبلة، وحضنًا لحضن، لقد أصبح رسالة جاهزة عبر تطبيق “الواتساب” في صورة لانكلف أنفسنا حتى مشقة كتابتها، إنه زمن الوصفات الجاهزة كما جاء على لسان السيدة أحلام.

أزمة تعبير حقيقية، أزمة في منح الحب والاهتمام، ساهمت في تفكك الأسرة، بشكل ملحوظ، وأنتجت عقدًا بالجملة، قد يلزم تصحيحها وتقويمها طنًا من الكتب، والكثير من الوئام، لكن لحظة لابد أنك تتساءل كيف ذلك. لاتجزع سأجيبك.

لم أقل الأطباء النفسيين، لعلمي مسبقًا أنه لن يجدي نفعًا كلام طبيب أو وصفة أدوية، لكن وصفة كتب قد تكون الخلاص، لأن أكبر عدو للإنسان هو الجهل، الجهل والأمية هو مايجعل الآباء في القرى والمداشر ودور الصفيح ينتجون جيلًا معطوبًا، بتسلطهم وكلامهم القاسي على الأبناء، ولاتكاد تسمع منه كلمة طيبة، أو عناق حار يحسسك بدفء العائلة ويزرع في صدرك بذرة الحب والوئام، فتكبر وأنت تشعر بالفراغ والنقص، وفي مرحلة مراهقتك تحن لصدر أمك الذي لم يؤوك كثيرا، وكلما نطت أمامك نهود امرأة من مخبئها يسيل لعابك، ويتحرك جوعك العاطفي.. ترى فيه ملاذا ثانيا لك.. وماهو إلا خواء عاطفي من السيدة الأم التي لم تضمك لصدرها، لتعبر لك عن حبها واهتمامها بك، منذ مرحلة الرضاعة التي كانت بدورها جافة وخالية من المشاعر، بالنسبة للأم تلك وظيفة بيولوجية تؤديها، ولاتهمها المشاعر وكيفية التعبير عنها، تظن أن تلك الأمور ثانوية لا محل لها من الإعراب. وهي معذورة لأن الفقر يجعل آخر همك هو التعبير عن الحب، فمزاجك ليس مؤهلا لذلك وخصوصا لو كان حليفه في ذلك الجهل والهشاشة.. ولو أردنا أن نفصل في هذا الموضوع، فسينتهي بنا الأمر بكتابة الجزء الثاني من كتاب الخبز الحافي لمحمد شكري.

أما بالنسبة للفتيات فالجرح غائر ويصعب تقويمه أوخياطته في عيادات التجميل، تبقى معالم الحرمان محفورة في وجه الأنثى لسببين، حساسيتها وحاجتها الكبيرة لأن تسقى بالحنان، فتجف كما تجف الورود التي لم تسقى…الحنان والحب بالنسبة للفتاة في صغرها إنه أكثر من الأملاح المعدنية بالنسبة للورود.

الأمر لم يبدأ من هنا بل منذ البدايات الأولى من اللقاء، من غرفة النوم.. من حياة زوجية يملؤها الود وتسكنها الألفة..فكلما كانت غرفة النوم مؤسسة بالمشاعر والوئام ستكون حتما مختبرا جيدا للمساهمة في جودة العنصر البشري.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق