ثقافة وفنون

في المسألة الجنسوية وقضية الهوية الجنسية

ربما علينا إيضاح بعض المفاهيم الجنسوية (أي التي تتعلق بالجنس كأساس معرفي) وتشريح سياقها اللغوي والتاريخي بحسب ما وُضعت غربًا، سيّما في ظل فقر الدراسات العربية وضيق أفقها الشديد فيما يخص هذه القضية وما تبعها من انعكاسات جذرية على الثقافات والمجتمعات وربما على السياسات أيضًا في العالم كله. قضية الهوية الجنسية

لهذا تجدر الإشارة إلى عدة اصطلاحات بارزة ينبغي فهمها جيدا، والتعامل معها بحذر ووعي وفهم جيد للفروق بينها.

اصطلاحاتٌ تتعلّق بالجِنسوية:

GENDER/صيغة الخطاب/الهوية الجنسية:

كاصطلاح لغوي هو معني أساسا بضبط هوية ضمائر المذكر والمؤنث وغيرها في اللغات المعنية بذلك، ثم صار مؤخرًا ضربًا من التعريف المرتبط بانتقاء أو اختيار نوعية جنس المتحدّث بغض النظر عن تشريحه الخارجي أو تركيبه الفسيولوچي التناسلي، أو حتى نوع جنسه الموثّق رسميًّا.

بحسب الاصطلاح إذن، يمكن للمرء أن يكون رجلًا ظاهرًا، لكنه “يختار/يميل/ينسجم/يفضّل” أن يخاطَب كامرأة، أو العكس.

SEX /التصنيف الجنسي:

لغويا كان الاصطلاح معنيًّا بالأساس بالإشارة إلى التصنيف النوعي الرئيس للجنسين في الإنسان كما في الكائنات الحية، الذّكر والأنثى.

حديثًا، بات الاصطلاح يقتصر على الإشارة إلى ممارسة العلاقة الجنسية نفسها بشكل عام عادة عند البشر (بغض النظر عن تصنيف طرفيها أو أطرافها جنسيًا.)

GAY/خليع/شاذ:

هو اصطلاح لغوي معنيٌّ بالأساس بـ”توصيف” حالة من البهرجة أو الاستخفاف أو البهجة السلوكية والمظهرية الزائدة عند الذّكور (حيثُ يفترَض بهم الاتّزان والقتامة السلوكية والمظهرية). الميل لارتداء الملابس الزاهية مثلا، والضحك والغناء و… إلخ.

ثم بدءً من أواخر القرن السابع عشر أصبح للاصطلاح مفهوم يشير صراحة إلى ما يُعرَف عربيًّا بالشذوذ/اللواط، ويُعرف غربًا بالمثلية التي تصف تحديدًا حالة مرتبكة من ميل الرّجل إلى التصرّف كامرأة خاصة فيما يخص الممارسة الجنسية مع شريك من نفس جنسه.

LESBIAN /سحاقية:

فيما لم يكن هناك اصطلاحٌ واضح وقاطع يصف العملية الجنسية المثليّة عند الرّجال قبل التحول إلى ما تم إيضاحه في النقطة السّابقة، لكن يُدهشُك أن الممارسة الجنسيّة المثليّة عند النّساء معرّفة غربًا بوضوح عبر هذا الاصطلاح الّذي يمكن ترجمته إلى السّحاقية، وفيما يُمكنكَ بأريحيةٍ أن تطلِق توصيف “جاي” على امرأة سحاقية في سياق معيّن، سيّما إن كانت تميل إلى الذّكورية، لكن لا يصح في المقابل أن تصف رجلًا بأنه “لِزبيان” حتى لو كان أميَل للتصرف كامرأة فيما يخص السّلوك الجنسي.

HOMOSEXUAL /مثليّ الممارسة:

هو اصطلاحٌ أكثر تعقيدًا من سابقيه لغويًا، وإن كان يُسقط التمييز أو التباين بين “جنس” أطرافه أو نوعهم الجنسي، هو يشير على التعميم إلى الطرف الذي ينجذب جنسيًّا إلى شبيهه من نفس النوع.

STRAIGHT /متّسق/طبيعي الممارسة:

لغويًا تعني مستقيم، واضح، منضبط، “دوغري”، أو متّسق، وباتت تشير في سياق جنسي إلى الشّخص “المستقيم/السّليم” أي الذي لا يميل إلى شبيهه جنسيا، وينحو نحوا طبيعيّا فيما يخص السّلوك الجنسي.

وهذه قد تحمل في طيّاتها إذن إشارة إلى أن ما يخالف ذلك هو شاذ وغير طبيعي.. لزم التنويه وحسب.

BISEXUAL /ثنائي الممارسة:

أي ثنائي الجنس، وهذه لا تشير بأي حال من الأحوال إلى ضرب من الخلل الفسيولوچي مطلقًا، وليس لها أي علاقة بالتركيب التشريحي، هو اصطلاح معنيٌ بالأساس وببساطة بفكرة “القدرة/الرّغبة/التماهي/القبول” لمبدأ الممارسة الجنسية مع الجنسين، ليس بالضرورة في نفس الوقت، أو بشكل مستمر، كما قد تكون الأفضلية الأرجح للجنس المغاير، لكن في حالات أو ظرفيات معينة لا يمانع المرء ممارسة الجنس مع شريك من نفس جنسه.

وبحسب الأرجحية العلمية، فإن هذا هو “وضعية الدِّفولت/الضبط الأساسي” عند البشر عموما، بحكم أمور عدة منها التشريح الفسيولوچي، والنشاط الهرموني، والتركيب الچيني، بل والوعي الجمعي أيضًا.

HETEROSEXUAL /مغاير الممارسة:

اصطلاح يشير بالأساس إلى المغايرة الجنسية، أو تفضيل الجنس المخالف فيما يخص انتقاء شريك العملية الجنسية، هي على الأغلب حالة استقرّت أو بالأحرى درجت عليها البشرية بحكم الأعراف والتقاليد في المقام الأول.

ASEXUAL /لاجنسي/غير نشط الممارسة:

اصطلاح يشير إلى “انتفاء الميل الجنسي”، اللّاجنسية إن شِئتَ، لكن هذه فيها حديث طويل يمكن إيجازه في نقطتين:

أولا: انتفاء الرغبة في الجنس نفسه، عدم اختبار مشاعر متعلّقة بالرّغبة الجنسية، في حالات كثيرة قد ينجذب المرء لمخالفه أو حتى لنظيره الجنسي وقد يختبر مشاعر تعلّق به، لكنّه وحسب لا يرتاح/لا يفضّل/لا تستهويه الممارسة الجنسية سواء على نحو دائم (وهذه موجودة على ندرتها) أو على نحو مؤقت طال أو قصر (وهذه الأغلب.)

ثانيا: اللاجنسية لا تعني بالضرورة _ بل إنها لا ترتبط إطلاقًا _ بأي عرَض جنسي أو مرض أو خلل هرموني أو فسيولوچي أو سيكولوچي.

وعلى الهامش يراها الغرب الآن “حالة طبيعية جدا” لا تستدعي القلق.

قد يندرج تحتها مفهوم الحب العذري لكنها أكثر تعقيدا وتطورا عنه.

HERMAPHRODITE /مزدوج الجنس/مخنّث:

اصطلاح يشير إلى اشتمال الجسم البشري على الجهاز التناسلي للصنفين؛ الذّكر والأنثى، بشكل غير معيوب وكامل ومتزن وكامل النضج عند البلوغ وتام الكفاءة سواء فيما يخص الجهاز الذّكري أو الأنثوي.

هذه فرضية يؤكد العلماء حاليا “استحالتها إلى حد الخرافة”، وطالبوا بحذف الإشارة إليها من كتب الطب والتشريح الحديث، وهو تعميم مثير للدّهشة بالنسبة لي شخصيا على الأقل في ظل التنامي المهول للتعداد البشري، وبروز طفرات أو تغيرات مستمرة فيما يخص النظرة العلمية لمسألة الجنس برمتها.

على أي حال يميل الرّأي العلمي حاليًّا إلى “تسمية الأشياء بمسمياتها”، وبحث كل حالة “تشوّه/اختلاف/غموض” جنسي تشريحي على حدى، بحسب معطياتها، وعدم اللجوء إلى سحب هذا الاصطلاح على كل حالة غير واضحة التركيب الجنسي فقط لأن المصطلح نفسه يستند في تصنيف نوع الذّكر والأنثى إلى الشّكل الخارجي للأعضاء الجنسية الظاهرة.

على الهامش، تشيع حالة التخنّث بشكلها الكامل في النباتات وبعض الحيوانات والأسماك إلى الحد الذي يرجّح معه العلماء استحالة وجود ما يُعرف بـ”وحدوية الجنس” بين هذه الكائنات في الطّبيعة.

دراج كوين/كينج DRAG QUEEN/KING 
شي ميلSHEMALE 
ترانزِكشوال TRANSEXUA

الاصطلاحات الثلاثة الأخيرة وثيقة الصّلة معا بشكل أو بآخر، وسنتحدّث عنها معا في حينها.

للحق كان لابد أن نعرج على هذه التعاريف اللغوية ومدلولاتها الأساسية واستخداماتها الجنسوية قبل أن نتطرق للقضية أو للقضايا اللاحقة.

وإن كان ثمّة ملاحظة أساسية بشأن هذه المصطلحات جميعا، فهي أنها تقريبًا تُمثّل مراحل تطوّر من واحدة إلى أخرى، تعديلات أو تداركات لغوية متلاحقة بهدف التدقيق فيما يخص جانب مهم من الدراسات الإنسانية يتعلق باستمراريتها نفسه، ألا وهو الجنس، ومنظوره الاجتماعي.

ما استُقرّ عليه اجتماعيًّا حتى الأن هو أنه من حق المرء اختيار (صيغة الخطاب/الهوية الچندرية) التي يرتأيها لنفسه، اعتمادًا على منظوره الجنسي الخاص، بعبارة أخرى من حق كل فرد أن يعامَل كرجل أو كامرأة حسبما يقدّم نفسه للمجتمع.

هذه النقطة تحديدًا فيها إشكالية عظيمة، وإن كُنتُ شخصيًا سأسلّم جدلًا بعدم أهميتها برغم كل ما أقامه الغرب وأقعده حولها سيما في ظل غياب الشرق تماما عن أي عمل بحثي أو دراسي أو علمي جاد فما بالك بدراسة متخصصة ومتعمّقة للجنس؛ إذ يهدف هذا المقال إلى إيضاح المقصود بأكثر الاصطلاحات المتعلقة بالجنس شيوعًا، وفض الالتباس حولها، وإلقاء الضوء على مقاصدها اللغوية بالعربية من أجل فهم أعمق لهذه القضية ومحاولة لمناقشتها وفقًا للمنظور الغربي.

في المقال اللاحق ربما نستوضح القضية من منظور أكثر شرقية، ونفسر بشكل أوسع هذا الاصطلاحات الثلاثة الأخيرة، ووظائفها المجتمعية، وإسقاطاتها على المقاصد الغربية لمفهوم الجنس نفسه ككل.

داليـــا هــــلال

كاتبة صحفية محترفة، نقابية ومدير تحرير لإحدى كبريات المجلات المصرية المعروفة.. مترجمة وأديبة وشاعرة أقول: نكتُب لنبقى.. هكذا وحسب.. لا لنبقى سعداء.. لا لنبقى أحياء.. إنّما نكتُب لنبقى على إحدى صفحات الزّمن.. آلهةٌ ذوو نصوصٍ.. لم نسمع عن إله لم يترك خلفه نصًّا ملعونًا أو.. مقدَّسًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى