سياسة وتاريخ

في المدلول الثوري لحركة وعي الشارع العربي

غالبًا ما تتسبب ثورات الربيع العربي وتجارب العالم العربي عمومًا إلى إزاحة حركة التاريخ عن التحليل الفلسفي الذي يغوص في عمق الظواهر ويؤسس لها كمعطى حضاري وثقافي يترسخ كمفهوم في الاجتماع الإنساني؛ لأسباب قد تكون تاريخية متعلقةً أساسًا بمركزية المعرفة والثقافة التي يحوزها الغرب اليوم والتي تفرض إسقاطاتها غصبًا على كل محاولات التفسير للظاهرة الإنسانية مهما استجدت في الواقع أو تجددت فيه.

وهكذا حين تتقلب السياسة وثوراتها وفق كل محمولاتها التاريخية الخاصة في الفضاء العربي، الذي لاتزال فيه الكثير من مظاهر التاريخ غير المبررة أو غير المتناولة معرفيًا وفقًا لتلك الخصوصية إلا ما خلا طبعًا من تلك الارتجاعات الاستشراقية الساعية دومًا للتأكيد على عدم تاريخية قيم الوجود العربي ونزوعه إلى اللا تحضر وفق مقاييسه المركزية الغربية، منها توصيف الثورة وتفسير السياسة، الأخيرة – كما أشرنا – حين تنقلب عند العرب فإنها لتعطى مدلولات وتُصار إلى مآلات غير التي تُعهد في باقي التجارب الإنسانية، حين تنزف الأوطان وتتلاشى المفاهيم ويضبب الأفق فتغدو السياسة مشكلة والثورة مصيبة.

بعيدًا عن التنظيرات المفهومية الأكاديمية الصارمة التي يتم تنزيلها أحيانًا بإسفاف لتفسير الظواهر السياسية في تجارب إنسانية التي تمثل الآخر بالنسبة لمركز إنتاج المفاهيم – ونعني به الغرب. يطرح السؤال على العقل العمومي؛ هل الثورة الناجزة هي التي تعلن عن مبادئها أم العكس المبادئ هي التي تفجر ثورتها؟

أمام زخم الأحداث والإدراج القسري للظاهرة السياسية العربية -كما أشرنا- في جدول القراءة المعرفية المركزية للثورة، يصعب تفكيك بُنى المفاهيم غير الجاهزة أو التي تمنحها مستجدات التجارب خارج الرؤية المركزية، حيث أن الثورات العربية كانت ظاهرة تاريخية لم يتسن للعقل (غير المركزي)؛ لأسباب عدة ربما أبرزها عدم الاستطاعة على القراءة خارج نطاق المركز وبلا أدواته المعرفية ووضعها للقراءة السليمة وفق معطياتها الموضوعية وسياق انبثاقها.

إذ تفجرت في الهامش، في سوق للخضار لا بل من أمام عربة صغير بذلك السوق، بين سلطة مؤنثة (شرطية) تعتدي على ذكورة مهمشة (بائع الخضار) بالصفع، نجم عنها رفض الذكورة الموقف باللجوء للانتحاء والانتهاء من الوجود عبر الانتحار، ليتفجر مكنون البركان القديم، وتنتحر السوسيولوجيا الثورية وثورة السوسيولوجيا، وتختفي كل أدوات الفهم والتفكيك السياسي للثورة في ذلك المكان العمومي الضيق (سوق الخضار بقرية سيدي بوزيد التونسية)، ليشهد العالم سقوط طواغيت كانوا قبلها أعتى من أن تقتلعهم أحدث أسلحة الاقتلاع العسكري التي كانوا يواجهون بها الوعي الثوري المتصاعد جيلًا بعد جيل.

هي إذًا ثورات خارج أنساق المبادئ الموضوعة في جدول الأفكار الإنسانية، وخارج الأطر التنظيمية التي تزعم تفعيل وعي الاختلاف والتعدد السياسي والفكري العربي، فلحظة انتحار البوعزيزي بالمكان العمومي والخلفية النفسية، الاقتصادية، السياسة والثقافية، التي شكلت المكون الشراري لذلك الانتحار تبدو كلها قد فاقت سعة أقداح التنظيمات والأفكار التي تدعي تمثيل المجتمع المدني أو الديني العربي اليوم، المؤسسة على خلفية غير تاريخية منصرمة كلية عن أصوله التكوينية الحالية.

لهذا عسر على الجميع فهم أصول ثورات الربيع العربي لا بل صعب حتى تصنيفها كحركة تاريخية سياسية غير مؤطرة أو متأثرة بنموذج قيادي أو قبْلي، لهذه الشعوب إلى درجة أن ذهب بعضهم لنزع صفة الثورة؛ بسبب -كما أشرنا- مرجعية مفهوم الثورة الأكاديمي والفلسفي الغربي الذي صيغ من تجربة الغرب، حيث ولدت الدولة الحديثة ونمت وفق مسار نموها الطبيعي.

في حين، لا يزال الربيع العربي في مرحلة وجوده التاريخي لما بعد العهد الكولنيالي المباشر، يبحث عن شكل وجوده السياسي بسبب طارئية هذا الوجود على ثقافته المكانية والزمانية، وبسبب أزمات عدة ومتنوعة تشترك فيها أطراف عدة، كالسلطة السياسية، سلطة الماضي الثقافية، سلطة النخب المتصارعة حول مشروع الإجابة عن سؤال الذات وشكل الوجود السياسي لهذا الإنسان، هو ما يبرر به دعاة عدم تصنيف حركة الربيع العربي بالثورة كون إنسانها لا يحمل دلالاتها وهو بالتالي لم يزل إنسان ما قبل الثورة.

إذًا، ما الذي يمكن أن يفجر ثورة وفق المفهوم المتداول الحامل فقط للمدلول المركزي للمعرفة التاريخية والسياسية، إذا لم تفجرها مبادئ مسبقة؟

بمجرد التسليم بالمبادئ المسبقة كآلية ثورية أو مضفية طابع الثورية على حركة الشعوب الاعتراضية التغييرية، فإننا نشير بالضرورة إلى وعي فوقي قيادي إلى مشروع جاهز وبالتالي نشير إلى نخب ريادية بعينها، وهذا ليس صحيحًا بالمرة في ظل عجز مجتمع الثقافة والسياسة العربيين عن إفراز قيادات ثورية نخبوية؛ وذلك لمعطيات عديدة يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي.

ولا يعتبر المثقف والنخبوي في العالم العربي ثوري بطبعه؛ لأنه غير ثائر بحكم لا عمليته ولا عضويته ووفق المنظور الغرامشي ومركزيته المفرطة، لذلك فهو إما متحالف (متعاطف) مع السلطة أو متعال على الشعب يقرأ حراكه وحركته في التاريخ بعين رصيده المعرفي الجاهز إما الأصولي السلفي المكنون في المراجع القديمة أو المتاح من الثقافة الغربية.

كل ذلك يجعلنا نقتنع بأن تدخل المثقف في مسار ثورات الربيع العربي التي يفجرها ألم الواقع الاجتماعي والسياسي للإنسان العربي، الناجم عن الاستبداد والفساد والأعمال الانتقائية للآليات التنظيمية للدولة والمجتمع العصريين بغرض التضليل وليس لتطوير المجمتع والدولة، كان تدخلاً تخريبيًا لتلكم الثورات، وإلا كيف نفسر تلك الصحوة المضادة بغرض الثورة المضادة لبعض المثقفين في نقد المجتمع وأصوله السلفية وحركاته السياسية الراكدة وتفجير قضايا كبرى كحقوق الأقليات الدينية والإثنية واللغوية بعد أن سكتوا عنها طيلة فترات الاستبداد والفساد التي ثار أساسًا عليها الشعب قبل أن يتم إشغاله وتحريفه عنها بإيقاظ تناقضاته الطائفية والثقافية؟

المثقف العربي ذاتي في التاريخ وغير موضوعي، وإن حصل وحاد عن الفساد فإنه لن يكون بالضرورة حياديًا في معرفة والاعتراف بحركة المجتمع خارج النسق الثقافي والفلسفي الذي يؤمن به، في مركزية مقيتة تحول دون تحقيق التحالف والتآلف بين وعي الألم لدى الشعوب ووعي القلم لدى المثقف لتحقيق ثورة واعية مكتملة تتأسس على معطى الواقع وقناعات الذات بلا تأويل معرفي أو تدويل سياسي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق