سياسة وتاريخ

في استعصاء التغيير التاريخي وفراغات الوعي النموذجي للدولة

ثمة سؤال مستعص أو هكذا صار يتمثله الكثيرون بفعل الإخفاقات الثورية لمجتمعات العالم الثالث وبالأخص منها العربية، لماذا تفشل حركات التغيير في هذه الدول كلما حلت بالعالم أو اجتاحته موجة تحول كبرى ثورية عملية أو مفهومية تتعلق بالنموذج التحديثي للحكم وبنية الدولة؟

ولعل في إخفاق حركات التغيير الجزئي للربيع العربي الكثير من شرعية السؤال المُلّح حول هذا الاستعصاء بعد أن قاومت دول نظم الاستقلال عبر ثوراتها المضادة، حتميات التاريخ ومنطق السياسة وأبت أن تستمر في هيمنتها على مجتمعات لم تعد قابلة لتلقي خطابها أو لقبول مشاريعها، ما يعني أن حالة الالتباس والاحتباس ستتواصل في دولنا مانعتها من الانطلاق فيما ترنو إليه من آفاق.

حركات التغيير وثورة الداخل في مقابل نموذج الخارج

يتصل الداخل بالخارج عبر شرط النموذج البنيوي للكيان المسمى الدولة، هذا الكيان الذي بُنى وتطور نسقه المؤسسي عبر مراحل التاريخ وما عرفه من صراعات وانكسارات وصناعات على المستويات المفهومية والتطبيقية في السياسة والاجتماع، وبالتالي يظهر النموذج هنا ممتلئ لا فراغات فلسفية ولا في نطاق التجربة يمكن من خلالها التلاعب بالدولة سياسيًا أو قانونيًا، إذ أن الدولة هنا هي حصيلة تجربة متسقة متصلة تأسست على قوة وضمير المجتمع المدني الحقيقي الفعلي والفاعل لا المفتعل والمعول به.

في حين وبسبب الفراغات في مسارات التأسيس للدولة العربية الحديثة بحسبانها نموذجًا متبعًا بفعل شرطيات التاريخ، تُرى النخب الحاكمة أو التي استأثرت بالحكم أو التي اغتصبته بعد تضحيات حركات التغيير الشعبية ضد الاستعمار ووعيها الخاطئ بوصفه فقط طارئًا على الأرض محتلًا للمكان وليس للزمان والتاريخ وفارضًا لنموذج حضاري – تُرى – باغية على هذه الشعوب مستحقرتها مستحمرتها تعيد صياغة وجودها وطنيًا ومجتمعيًا كيفما شاءت، وذلك عبر آليات ملء الفراغات النموذجية تلك، باستحداث مجتمعات مدنية فوقية طافحة لا أصول مجتمعية لها ولا سياسية ولا يعدو رصيدها من مصطلح المدنية هذه الكلمة.

الثغرة البنيوية في حركات التغيير

من هنا، تتضح ثغرة الوعي الحاصل مجتمعتنا بطبيعة البنية النموذجية لمجتمع الدولة الذي يحيل بالضرورة إلى دولة المجتمع الغائبة عنا، تلك الدولة الفوقية اللا أفقية التي تستكمل لحظة التاريخ المأزوم الذي خلقه فينا الاستعمار بمخططه وأسئلته الكبرى في الهوية وطبيعة الاندراج الطبيعي في فضاء التاريخ البشري معرفيًا وليس فقط معلفيًا (العلف).

تقوم دولة النموذج الحديث من حيث كونها مظهرًا للوعي المجتمعي المتراكم في تناسق واتساق في وحدات التأسيس وهي تعطي الأولوية للفرد على الجماعة في نظام وسلم الحق الواجب معًا، لهذا يستحيل أن يكتسحها النموذج الشمولي الطغياني الذي يتدثر بدثار الجماعية والمجتمعية المستهدفة من الآخر عبر خطاب التضحيات الفردية من أجل أوطان يهرب الفرد من أهوال أحولها (فقر، مرض، جهل.. استضعاف إلخ).

إذ تصطدم إرادة الهيمنة في النموذج الحديث للدولة المعاش في الغرب أمام قوة حضور الفرد بصفته الوحدة الصلبة في التأسيس للقطرية بينما تلقى الهيمنة طريقها للرسوخ في دولنا بسبب ضمور الفرد وحضور المجتمع مجردًا من وحدات الفرد الصلبة المتمثلة في حركات التغيير الشعبي، وبالتالي حضوره هشًا قابلًا للاستيعاب الخطابي والعملي من قبل قوى الاستبداد، إلى درجة أن قال أحدهم بعدما ظن أن التغيير في الجزائر لن يحدث “خلاص لقد انطبع فينا الحكم العسكري وما علينا إلا تقبله إلى الأبد”!.

استبعاد الفرد واستعباد الجماعة

تلاشى حضور الفرد كأساس للبنية الجماعية للدولة منح خطاب الاستبداد فرصة الحشو اللغوي في إدارة قضايا لا تتعلق بأصل من أصول الانتماء العضوي للدولة، وما يترتب عنه من حق مثل الحرية وحق المواطنة وحق تقرير المصير السياسي والسيادي للدولة، بل بقضايا قابلة للتطور في الوعي والتعامل مثل إشكلات التاريخ الوطني وجزئيات الهوية ومسائل القبول بالاختلاف والتنوع الثقافي، العرقي والمذهبي، بحيث جعلت منها نظم الاستبداد في كامل دول النموذج المتبع للدولة أساسات وأصول لكيان الدولة؛ حتى تتمركز في وعي الفرد والجماعة بأنها (النظم) صمام الأمان من حروب الهوية والتنوع المحتملة والعمل على إدامة ذلك في خيال المواطن.

كل ذلك يفسر لنا الاعتزاز المفرط لدى الكثير من القطاعات الشعبية بجيوشها الوطنية، إذ ترى فيها كيان الدولة الحقيقي بل كيان القطر كله. وبذلك يظل الوعي بالمصير غائبًا في مقابل حضور أداة الحراسة العنفية للذات، وغياب الوعي لصالح الأداة لم يمنع الذات من التمزق في حرب الربيع العربي كما هو الشأن مع دول البنية القبلية التي عمل النظامان الليبي واليمني مثلًا على توطيدهما وترسيمهما، أو نظم الطوائف مثل سوريا، لبنان والعراق أو نظم الشللية كما في مصر حيث العسكر يؤسس لانفصالية طبيقية تامة بحيث يصبح بفضل هيمنته على الضمير والاقتصاد الوطنيين مجتمع قائم بذاته (مجتمع الأسياد) الذي سيسكن المنطقة الخضراء الجديدة بالصحراء والتي يسميها بالعاصمة الادارية، وبقية المجتمع في حواريها القديمة.

اقرأ أيضًا: القدر المقدور: حينما تبدو الخيانة بطولة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق