ثقافة وفنون

فيلم «رأس السنة».. عالم الأثرياء مشبع بالخطايا ولعنة الغواية

يعد فيلم رأس السنة آخر أعمال المؤلف المميز محمد حفظي، وأول أعمال المخرج صقر، ويمثل في الفيلم مجموعة كبيرة من أفضل ممثلين السينما منهم إنجي المقدم، أحمد مالك، إياد نصار، بسمة، وعلي قاسم وآخرين.

فيلم رأس السنة نموذجًا للطبقية البغيضة

تتلخص قصة الفيلم، في الصراعات الطبيقية بالمجتمع، حيث تدور الأحداث حول الصراعات بين عالم اﻷثرياء داخل إحدى المنتجعات القريبة من مدينة الغردقة المطلة على البحر الأحمر، خلال ليلة رأس السنة لعام 2009، حيث يتعرض أبطال العمل للعديد من المواقف والأزمات الصعبة عندما يجتمعون معًا.

وسبق لحفظي أن قام بتأليف سيناريو وحوار أفلام حققت نجاحًا كبيرًا مثل: السلم والتعبان، تيتو، ملاكي إسكندرية وأفلام أخرى.

من وجهة نظري، لم يكتب محمد حفظي فيلمًا جديدًا عن الطبقات الاجتماعية، لكن يناقش رأس السنة أصابع الاتهام التي ترفعها الطبقات على بعضها، واختياره للشخصيات جعله يرسم لوحة عليها طيف من البشر، جميعهم معرضون للغواية ويفرق بينهم الاختيارات.

دائرة الفساد توصله لشقيقته

في بداية الأحداث، تنشأ أسباب تجعل من البطل شريف ابن الأثرياء رفيقًا لتاجر المخدرات كمال في ليلة رأس السنة، ويرافقه في توصيله للمواد المخدرة لغرف فندقية وفلل راقية، يرى فيها شريف أصدقائه ومعارفه وفي النهاية أخته.

وبين مشاهد قليلة، أحداث فيلم رأس السنة لا تفجر انفجرات عظيمة، يضعنا الفيلم أمام مواقف لا نراها عادةً، أو نكون جزءًا منها، ويعطينا مساحة للتقييم والتأمل بهدوء.

الفيلم منذ بدايته، وكلمات أبطاله مليئة بالخوف من الآخرين، والقلق على صورتهم أمام الناس مهما كان ما يفعلون، وهذه أمثلة بسيطة على ذلك:

  • “أختي ماتشتغلش في شيفت بليل”، قالها رجل يعمل بائع هوى.
  • “فضحتي العائلة”، قالها شريف وهو سكران ومتعاطي للمخدرات عندما أمسك أخته تشتري المخدرات.
  • “كل البنات شمال”، قالها تاجر مخدرات.
  • “أهلي مابيحبوش ريحة السجاير في البيت إشربها بره“، قالها صاحب حفلة يحدث بها كل أشكال الفجور.
  • “أنا بتاع مساج بس“، قالها بائع الهوى.
  • “أنا جوزي اتغير بعد الحج ومبقاش الشخص اللي اتجوزته“، قالتها أحد الشخصيات قبل أن تخون زوجها.

رمتني بدائها وانسلت

يمشي الأبطال طيلة فيلم رأس السنة على خيط رفيع لا تراه، مشدود بقوة بين مبادئ نحاكم عليها بعضنا ولا نعيشها نحن في الأصل. مشاهد تربطها الأخطاء، ويقودها غياب الوعي، ومع ذلك مليئة بنقد الآخرين، حكايات مليئة بالأحكام من أناس ليس لهم الحق في أن يحكموا على أي شخص، هذا أول ما تجده في الفيلم، هذا ما يبدو على السطح فقط، ولكن الفيلم أيضًا مليء بالقصص التي تتيح لك الفرصة أن تحكم أنت عليها وتكتشف في النهاية أن حكمك كان مخطئًا.

مثلًا في قصة بوسي، خطها الدرامي في حد ذاته يعطيك الطابع أنها الفتاة صغيرة السن التي تزوجت رجل عجوز من أجل ثروته، وتتصرف بوسي أيضًا بعض التصرفات الغبية التي تعطيك انطباعًا أنها ليست إنسانة جيدة. ولكن في النهاية عندما ترى ما نعرفه عنها حقًا وما قدمته حكايتها بالإضافة إلى اعتذارها للرجل الذي يعمل عندها في المنزل وإلحاحها على زوجها أن تجهز له العشاء، تجد نفسك أمام إنسانة ليس من السهل أن تحكم عليها أو اختزالها في حُكم معين، ليس معنا ما يكفي لنحكم عليها ونقول هل هي إنسانة جيدة أم لا؟

اقرأ أيضًا: «الأشياء تتداعى».. رواية انتصرت للهوية الإفريقية على التوغل المسيحي

كوراث الغرف المغلقة.. هنا الحقيقة

وهذه هي الفضيحة، إننا نحكم، نريد أن نحكم، نحاول أن نحكم دون توقف، نريد أن نختزل الناس في أخطائهم رغم أننا نخطئ، الدين بالنسبة لنا ما يجعل منظرنا جيد أمام الآخرين. المبادئ والأخلاق كذلك، نأخذ منها فقط ما يكفي لنشاور على أخطاء الآخرين ونشعر أننا أفضل، ولكن في الغرف المغلقة، وبعيد عن أعين الناس، هناك تكون الحقيقة، أننا جميعًا معرضون للغواية، وأننا جميعا نخطئ.

هناك كثيرون لم يعجبهم فيلم رأس السنة ربما للشعور ببطئ أحداثه، أو كراهيتهم للمجتمع المعروض في أحداث الفيلم وعالم الخطايا هذا، ولكن حاولت من مقال هذا أن أشجعهم أن يعطوه فرصة ويجدوا خلف أحداثه المعاني التي تحركها.

بالطبع كل هذا هو انبطاعي المبني على تفسيري لاختيارات المؤلف من جُمل وشخصيات وإخراج المخرج، ولكن أعزائي أنتم أيضًا لكم حرية الحكم والتفسير.

 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ريمون بحر

كاتب/طبيب أسنان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق