ثقافة و فنون

فيلم الجوكر: حين تكون النكت تراجيدية

نبذة عامة عن الفيلم:

بعد نجاحه الكبير كمخرج لفيلم ذي هانغوفر الكوميدي، إرتمى تود فيليبس هذه المرة في عالم الجريمة والأمراض النفسية لإخراج فيلمه الجديد الذي لم يمر على إصداره سوى ثلاثة أيام محققا أرباحا تعادل تقريبا ضعف ميزانيته.

الفيلم الجديد ورد رسميا تحت إسم الجوكر يتناول موضوع الجريمة والإثارة النفسية التي تعبر فيها وحدها الكاميرا عن الحوار أكثر من الكلام. هذا الفيلم تم تصويره في مدينة نيويورك ونيوجرسي وغوثام وبروكلاين، معالجا عدة أحداث طرأت في حقبة زمنية متمثلة في بداية الثمانينات، كأحداث ثانوية للقصة الرئيسية التي موضوعها فشل ممثل كوميدي في الاستمرار في عمله متحولا بذلك إلى سفاح عدمي وسادي يشعر بالنشوة عند القتل.

دور البطولة تم إسناده إلى العملاق خواكين فينيكس بعد أن كان متجها نحو ليوناردو دي كابريو، وهذا أول فخ تم تجاوزه بسلام.
السيناريو تمت حبكته بدقة صانع الساعات من قبل المخرج تود فيليبس بالشراكة مع سكوت سيلفر وقد أمضيا كل سنة 2017 في البحث والتفكير في المؤثرات والمؤثثات وعالم السبعينات والثمانينات وإسترجاع الماضي بمبانيه وسياراته وأغانيه وملابسه وسياساته.

الشركة المنتجة ورنر براذرز أعلنت على أن فيلم الجوكر سيكون بداية لسلسلة من الأفلام المستقلة تنتمي إلى نفس النوع.

دور البطولة:

تقمص فينيكس شخصية الجوكر الذي يدعى آرثر فليك، وهو ممثل كوميدي فقير يشتغل في شركة عروض تكاد تعلن إفلاسها، يتقاضى راتبا بسيطا لا يفي بالغرض مقابل إنفاقه على والدته التي تقيم معه في شقة صغيرة. خواكين فينيكس في الحقيقة استعد لتصوير الفيلم بطريقة أسطورية متمثلة في تخلصه من 25 كيلوغراما من وزنه ليظهر نحيفا جراء الرتابة والإرهاق والتفكير وقلة ذات اليد، وشاهد فيديوات عن مرضى الهوس الضاحك واطلع على الاغتيالات السياسية ليفهم خواطر القتلة ودوافعهم إلى القتل ليكون بذلك متقمصا شخصيته على أكمل وجه.
الممثل خواكين فينيكس الذي سيتم الخمس وأربعين سنة في أواخر شهر أكتوبر-تشرين الأول، كان ممتازا في أداءه هذا والذي يعد حقيقة من بعض فلتات العصر من حيث انصهاره في أبعاد الشخصية مثله مثل ويل سميث في هانكوك أو آلباتشينو في العرّاب أو إيفان راشيل في بايرفوت. هو ممثل مصاب في الحقيقة بفلح الشفة وهو أحد الأنواع المتعددة للتشوه الخلقي الناجمة عن النمو غير الطبيعي في وجه الطفل أثناء فترة الحمل.

هذا التشوه ساهم في منح خواكين صبغة الاختلاف عن الناس أو حتى ندرة حالته لتجعله بسيطا فيه من العيوب ما ينقص بقية الناس وهذا ما أراده هو كفنان وتود فيليبس كمخرج وكاتب سيناريو من عدم الكشف عن شخصية الجوكر أو حتى التلميح لها إلا في الوقت المناسب، حيث يستبعد المشاهد فكرة أن المهرج التافه وسيء الحظ هو الجوكر السادي.
حصد خواكين فينيكس عن دوره آرثر فليك ستة قتلى وجائزة الأسد الذهبي لأحسن ممثل في مهرجان فينيسيا السينمائي.

القصة:

يبدأ الفيلم بمشهد صامت نسبيا يكون فيه آرثر فليك منفردا بنفسه أمام المرآة، يحرك فمه بإصبعيه متنقلا بين تقاسيم الفرح والحزن، معلنا عن الإثارة النفسية كموضوع للفيلم في أقوى تجلياتها. وفي أحد الأيام وحين كان يمارس مهنة التهريج في الشوارع، خطف بعض المراهقين منه لافتة يشتغل بها وتعود ملكيتها إلى موسيقى كيني أو الرجل الذي يعزف على البيانو في الشوارع، قام آرثر بمطاردتهم حتى انتهى به المطاف في زقاق ضيق حيث إنهالت عليه الركلات من كل جانب وصوب وتم كسر لافتته الخشبية.

آرثر فليك شاب مصاب بمرض الهوس الضاحك وله بطاقة طبية تثبت ذلك يقدمها لكل من يشعر بالقلق من نوبات الضحك التي تصيبه أحيانا. يباشر مواعيده الطبية باحثا عن الأدوية هذا بعد إقامته في مستشفى المجانين. كان آرثر حتى عبر نظراته حاقدا على العالم الخارجي الذي يتصرف معه بحدة وغباء، لا شفقة ولا رحمة للناس ولا عطف ولا رفق ولا حنان، فقط كلام جارح ونبذ وبرود.

ذات يوم عبر له زميله في العمل غاري عن أسفه لما حدث له مع المراهقين في الزقاق، وقدم له مسدسا وبعض الرصاصات قصد توفير الحماية لنفسه، وأخبره أن المؤجر هويت يريد مقابلته. دخل آرثر بكل تلقائية مكتب هويت الذي لم يسمح له حتى بالجلوس، حيث طلب منه إعادة اللافتة لمالكها وإلا فإنه سيخصم ثمنها من راتبه.
بعد أيام وحين كان آرثر يساعد والدته بيني فليك التي قامت الممثلة فرانسيس كونروي بأداء هذا الدور، دار حديث بينهما حول الظروف المادية الصعبة وحول الرسائل التي أرسلتها لعائلة توماس وين التي إشتغلت عندها لفترة طويلة، باحثة الآن عن المساعدة بتعلة أن السيد توماس واين رجل صالح ويستحق لقب عمدة مدينة غوثام الذي ينوي الفوز به. أخبر آرثر أمه أن تنسى أمر المال فقط لأنه سيبدأ في عرض أعماله في أماكن متعددة.

كان أول عمل له في قسم الأطفال المرضى بالسرطان حيث طلبت منه السيدة صوفي دوموند التي كان يلاحقها من مكان لآخر، أن يقدم عرضه أمام هؤلاء الأطفال. وتبين له أنها تشتغل ممرضة هناك بعد أن أخبرها أنه كوميدي وباستطاعته إثارة الضحك وقتما شاء. دور صوفيدوموند أدته الممثلة زيزي بيتز بإتقان رائع كله مشاعر وإبداع مغيرة بذلك بعض الأفكار لصديقها آرثر.

خلال العرض كان آرثر يرقص ويفتعل حركات بهلوانية قصد إضحاك الأطفال، مع ماكياج وشعر مزيف مثيران للضحك وزي طبيب ليحب المرضى أطباءهم، لكن في غفلة منه ولسوء حظه سقط المسدس الذي منحه له صديقه غاري أمامهم ولم يعره أحد اي اهتمام.

بعد ذلك وحين فعل المخبرون أفعالهم اتصل به المؤجر هويت إثر العرض مستفسرا عن سبب حمل آرثر للمسدس وقال له بالحرف الواحد أنه مطرود من العمل، فضرب آرثر زجاج التاكسيفون برأسه كما كان يفعل داخل مستشفى المجانين. عاد بعدها إلى الشقة مستعملا قطار الأنفاق، وبينما هو جالس وحيدا حتى سمع ثلاثة شبان يضايقون طفلة تجلس قبالتهم، أصابته نوبة ضحك هستيرية الأمر الذي جعل الشبان يصبون تركيزهم حوله متجاهلين الفتاة التي هربت إلى الأمام. تجمعوا من حوله مع مضايقات مادية وشفاهية بعد افتكاك شعره المزيف، ثم تلقى لكمة قوية على وجهه أردته على الأرضية الأمر الذي جعله يصيب إثنين منهم بطلقات نارية من مدسدسه. ثم يلحق بالثالث المصاب عند توقف القطار ويفرغ في جسده طلقتين، مقيما بفضل السلاح الذي منحه له صاحبه غاري عدالته الخاصة التي ردت له الإعتبار وساوت في موازين القوى.

وصل آرثر فليك إلى شقته في إحدى الليالي بعد أيام على جريمة القتل فوجد أمه تشاهد التلفاز، الأنباء الجديدة هي عملية قتل بقطار الأنفاق تسبب فيها شخص يختفي وراء قناع مهرج. السيد توماس واين الذي يرغب في أن يصبح عمدة لمدينة غوثام والذي يتمتع بشعبية بسبب وعده للناس بالقضاء على الفئران والجريمة والبطالة، كان ضيفا في برنامج تلفزيوني ليفسر جريمة القتل ودواعيها، فقال أن الفاعل هو مجرد حاقد على الأغنياء، وأن البطالة هي السبب، وأن من إرتكب الجريمة كان مختفيا وراء قناع مهرج ولا يمكن إلا أن يكون مهرجا بسبب سذاجته ووضاعته وجبنه، معتبرا المهرج علامة على السذاجة والوضاعة والجبن.

بعد انتهاء أحد العروض، غادر آرثر المسرح رفقة صديقته الممرضة صوفي دوموند، وحين كان يقرأ خبرا في صحيفة مفاده أن مهرجا إرتكب جريمة قتل ضد ثلاثة شبان، قالت له حبيبته أن المهرج كان محقا في ذلك، وما يزال ينتظره مليون شخص ليلقوا نفس العقاب. وهي واحدة من الكثيرين الذين يتعاطفون مع القتلة في مدينة غوثام بسبب الحقد الطبقي المتمثل في كره الأغنياء ورجال الأمن والوطن ووسائل الإعلام.

بكلماتها تلك تحول آرثر من مهرج سخيف إلى سفاح خطير وكأنه تسلم سببا أو موجبا لأفعاله. إكتشف من أمه بعد ذلك أنها كانت على علاقة مع توماس واين، أخبرته بذلك حين طلب منها سبب مراسلتها له وطلبها منه دائما تفقد البريد، وإكتشف أيضا أن توماس واين هو والده.

لم يبخل آرثر أبدا بل قصد منزل توماس واين وطلب من ألفريد بينيوورث كبير الخدم والقائم بأعمال عائلة واين إدخاله وقال له أن أمه بيني فليك كانت تشتغل هنا فطرده العامل، وحتى حين قال له أن توماس واين هو والده البيولوجي سخر منه وقال له أن أمك واهمة وكاذبة.

عاد آرثر إلى شقته خائبا ككل مرة، لكنه وجد أمه بين المسعفين بعد أن تعرضت لنوبة قلبية. وبينما كان آرثر في المستشفى ينتظر إسعاف أمه أتى رجلا شرطة ليحققان معه وهما بيل كامب وشيا ويجهام. قال له المحقق أنه كان في الشقة يسأل والدته عنه فأغمي عليها فإتصلا بسيارة الإسعاف. سأل المحقق آرثر عن جريمة القتل التي جدت في قطار الأنفاق، وعن المؤجر هويت الذي طرده من العمل لأنه حمل معه مسدسا إلى المستشفى حين قدم عرضا كوميديا هناك. تجاهلهما آرثر وغادرهما متعللا بأن صحة أمه أهم من هذه الإفادات. حين كان رفقة والدته في المستشفى وحين ذهبت صديقته صوفي لجلب القهوة كان آرثر ينصت للتلفاز الذي عرض لقطات من أحد عروضه في برنامج يحمل إسم منشطه موراي فرانكلاين حيث قام بهذا الدور العملاق روبرت دي نيرو. بعد أيام إتصلت به تشارلي واتس التي تشتغل في البرنامج من أجل تحديد موعد ليتمكن من المشاركة في إحدى الحلقات.

توجه آرثر نحو مستشفى المجانين ليطلب سجل والدته حين كانت مقيمة هناك بسبب تعريض حياة إبنها للخطر، خطف السجل من العون الإداري الذي رفض تسليمه له إلا بتوقيع من والدته وهرب. حين إكتشف آرثر بعض الحقائق أصابته كالعادة نوبة من الضحك ثم الحزن ثم قام بقتل أمه وهي في المستشفى، ثم عاد إلى الشقة وإستمتع مع نفسه ثم شرع في وضع بعض الماكياج على وجهه وعلى لسانه بطريقة غريبة ومخيفة.

قام بقتل صديقه غاري الذي جاء ليؤازره لوفاة والدته، وأخرج صديقه الثاني القزم بكل هدوء. بعد ذلك أكمل آرثر وضع الماكياح وخرج إلى الشارع قاصدا مقر القناة التي تبث برنامج موراي فرانكلاين وهو مبتهج ومسرور ويرقص في كل مكان وكأنه تخلص من كل مشاكله، أو أنه ولد من جديد. تمت مطاردته من قبل رجلي الشرطة الذين إستجوباه في المستشفى فلجأ إلى قطار الأنفاق، حينها إنصهر بين الركاب المتخفين وراء أقنعة المهرجين كمساندة منهم للمهرج قاتل الشبان الثلاثة في القطار.

الاعتداء بالعنف على الشرطيين في القطار الأمر الذي جعل آرثر يرقص ويضحك بشدة وسط تلك الفوضى. عند الوصول إلى مقر القناة طلب آرثر من موراي فرانكلاين منه تقديمه للناس بإسم الجوكر دون ذكر إسم آرثر فليك.

حاول موراي فرانكلاين تقزيمه أمام الجمهور والمشاهدين على المباشر بالسخرية والمقاطعة وطلب منه تقديم نكتة، لكن الجوكر قال لهم أمام الكاميرا أنه قاتل الشبان الثلاثة بتعلة أنهم كانوا مريعين وأن كل شيء في الخارج أصبح مريعا مثلهم. قال لهم لو كنت أنا المقتول على الرصيف لمررتم فوقي، فقط أنتم تعاطفتم مع الضحايا لأن توماس واين بكى إثر قتلهم وهو فقط يريد إثارة مشاعر الناس لإنتخابه عمدة. ثم أطلق النار على رأس موراي فرانكلاين أمام الكاميرا بعد أن طلب منه المغادرة. ثم ضحك ورقص على المباشر. تم القبض على آرثر فليك من قبل شرطة غوثام وبينما هو داخل سيارة الشرطة يشاهد الشوارع كيف تشتعل والعصيان المدني وعمليات الحرق والتخريب وحالة من النفير حتى صدمت فجأة سيارة إسعاف كان يقودها أحد المختفين وراء قناع مهرج، سيارة الشرطة التي تقل الجوكر.

أنقذوه وقاموا بقتل توماس واين وزوجته وإبنهما بروس واين بالرصاص وإحتفلوا وإحتفل معهم الجوكر وهو فوق سيارة الشرطة، وإنتهى به المطاف في مستشفى المجانين وقد بلغ أوج السعادة.

التقنية في الفيلم:

“نصف السينما تمثيل ونصفها الثاني تقنية” هي مقولة بدأت مع بداية إنتاج الأعمال السينمائية وماتزال ذات أهمية وقيمة إلى حد الآن. ويبدو أن أكثر من نصف ميزانية فيلم الجوكر ذهبت من أجل إسترجاع الماضي الذي ليس بالمهمة السهلة أبدا. ملابس وسيارات وشوارع ومبان من الثمانينات لا يمكن أن يتم تحقيقها إلا عن طريق مارك فرايدبرغ بكثير من الحنكة والتجربة والتخيل والإبداع. سيارات الكاديلاك والرولز رويس والمرسيدس والكرايزلر والشيفرولي من موديلات الستينات والسبعينات والثمانينات مركونة في الشوارع، والحافلة الأمريكية القديمة والشهيرة، وسيارات الشرطة آنذاك، والنفايات الكثيرة في مدينة غوثام. كل هذه الأمور تم إستحضارها بعناية فائقة دون إرتكاب أخطاء ودون مبالغة.

ملابس بسيطة مصممة من طرف مارك بريدجز في مجتمع أمريكي يبحث عن السيطرة والحرية والإنعتاق. موسيقى نيو وايف الكلاسيكية تعود إلى زمن ما بعد الحرب الباردة نابعة عن الشقق والدكاكين والمحلات.

الموسيقى التصويرية العظيمة من قبل هيلدور غوانادوتير التي تعتني بوصف المشاعر وتأثيث الخلفيات وإكمال ما عجز عنه المشهد، موسيقى حزينة في الغالب ترافق الجوكر أينما ذهب حتى بإمكانها في بعض الأحيان ترجمة صمته وتوضيح أفكاره ونواياه، إلا نادرا ما تكون موسيقى تبعث عن الفرح لكن فيها شيء من الخوف والهلع لمن يتثبت أكثر.

بالنسبة للتصوير والذي كان تحت إمرة لاورنس تشار فإنه كان تصويرا تمثيليا في المستوى بكاميرا تتنقل في المكان بسلاسة ووضوح وتماش مع المشهد والموسيقى والزمن، كاميرا بارتفاع متوسط تبتعد وتقترب من الهدف حسب المطلوب، حتى تم إنتاج عمل محترم تصويريا نادرا ما يحدث.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق