ثقافة وفنون

فيلم الإنسان يعيش مرة واحدة: رؤية أخرى لفلسفة الحياة

فيلم « الإنسان يعيش مرة واحدة » الذي عُرض في عام 1981 ومن بطولة عادل إمام ويسرا. وتأليف وحيد حامد ومن إخراج سيمون صالح. هو فيلم يتناول باختصار حكمة الحياة وفلسفتها وأن الحياة لا تتكرر مرتين ولذلك يجب أن نعيشها كما هي دون خوف أو هروب.. فالفيلم رغم بساطة موضوعه فإن رسالته عميقة جدًا.

ويبدأ الفيلم بشخصية (أمل) ، الطبيبة الشابة التي تفقد خطيبها في حادث سير فتقرر أن الحياة انتهت من بعده وتلجأ إلى الابتعاد عن الناس ونقل مقر عملها إلى السلوم. وعلى جانب آخر تظهر شخصية (هاني) مدرس التاريخ المستهتر الذي يلعب القمار ويهمل عمله فيتم نقله إلى السلوم عقابًا له على إهماله. وبذلك يتقابل كلا منهما _ المدرس والطبيبة _ في نفس القطار فتدور بينهما بعض الأحاديث لتستمر الصدف واللقاءات بينهما خلال الرحلة إلى أن يجمعهما الحب في النهاية.

الخوف يمنعنا من الحياة 

نرى خلال الفيلم أن الشخصيتين (هاني) و (أمل) يلازمهما شعور الخوف ؛ فكلاهما يعانيه وفق مشاكله. وفي الرحلة تطل علينا شخصية (بكري) _ العامل الصعيدي _والذي يعمل داخل المدرسة التي نُقل إليها (هاني) فتنشأ صداقة بينهما تغير رؤية كلا منهما للحياة. فيعاني (بكري) الخوف من الثأر نتيجة حادث قتل بالخطأ ارتكبه وهو شاب ليصبح على إثره هاربًا من أسرته ومن الناس ، وعلى جانب آخر يعاني (هاني) الخوف والهروب من مواجهة الواقع فيهرب من نفسه ومن التفكير بلعب القمار وشرب الخمر. أما (أمل) فهي تسجن نفسها داخل ذكرى خطيبها وتعاني الخوف والهروب من الوقوع في الحب مرة أخرى. وفي أحد المشاهد التي جمعت بين (هاني) و (بكري) يأتي الحوار على لسان (هاني) قائلًا : ” الحياة اللي كلها خوف ملهاش لزوم” وهذه الجملة تأتي تأكيدًا على رسالة الفيلم وهي أن الخوف يمنعنا من الحياة ويضيع علينا الفرص وأحلى سنوات عمرنا تضيع بسبب الخوف لحظة أو سنين. فشخصية (بكري) تجسد لنا ضياع العمر من مجرد حادث خطأ ونتيجة الثأر والعادات البالية وكأن الكاتب يشير إلى مصير كلا من (هاني) و (أمل) إذا سجنا أنفسهما داخل قضبان الخوف.

بالحب تتبدل نظرتنا للحياة

وكان من المنطقي في وسط الوحدة والمدينة النائية أن تولد مشاعر حب بين (هاني) و (أمل) ، فبدأت بمجرد حديث بين راكبين خلال رحلة قطار وسرعان ما تحولت إلى مشاعر إعجاب وإن كان من ناحية (هاني) في البداية مع رفض (أمل)خوض قصة حب جديدة والاكتفاء بذكرى خطيبها مع مشاعر الذنب التي تشعر بها تجاه وفاته حيث ترى أنها السبب في موته. ولكن بمرور الأيام وكثرة اللقاءات بينهما أعادت (أمل) النظر إلى الحياة برؤية مختلفة وتبادلت مع (هاني) مشاعر الحب. وهنا نرى كيف يمكن للحب أن يجعلنا نحيى من جديد ، فالمدرس (هاني) عندما وجد أخيرًا سببًا يحيا من أجله ابتعد عن القمار والتزم بعمله وطرأ عليه تغييرًا كبيرًا ، أما (أمل) فظهر عليها التغيير بأنها بدلت ثوبها الأسود التي كانت ترتديه دائمًا بألوان مبهجة. ونذكر هنا أن الإخراج والإضاءة _ في المشاهد التي جمعت بين (هاني)و (أمل) _ جاءًا ملائمين لميلاد قصة الحب بينهما حيث الإضاءة الصباحية الناعمة والكادرات المريحة للعين. كما ساعد وجود اللون الأزرق متمثلًا في البحر والسماء في إضفاء مزيج من مشاعر الراحة والحب. أما عن الموسيقى التصويرية المصاحبة لتلك المشاهد فكانت اختيارًا موفقًا إلى حد كبير وساعدت على الإحساس بالرومانسية والارتياح.

مشهد النهاية تتويج لرسالة الفيلم

مع اقتراب نهاية الفيلم نجد أن كل شخصية تصالحت مع خوفها وأصبحت ترى الحياة برؤية جديدة ، حيث قرر كلا من (هاني) و (أمل) السفر إلى القاهرة من أجل الزواج. كما تغلب (بكري) على خوفه وذهب معهما بالقطار وواجه (هريدي) _ وهو صاحب الثأر _ الذي ظل (بكري) بسببه هاربًا لسنوات طويلة. ولعل مجئ ابن (بكري) إلى السلوم هو ما جعل (بكري) يتغلب على خوفه ويسعى لعيش ما تبقى من حياته عوضًا على ما فاته بسبب الهروب .

وما لخص رسالة الفيلم وهدفه هي الجملة التي قيلت على لسان (بكري) وهي: ” الدنيا يا ولدي لها وشين؛ أبيض وأسود لما تبقى بيضا قدامك افتكر الأسود عشان تسلم ولما تبقى سودا افتكر الأبيض عشان تقدر تعيش لبكره”. وكأن الفيلم يقول لنا إنه على مدار حياتنا سوف نواجه الخير والشر، الفرح و الحزن. فما علينا إلا أن ندرك أن الحياة لا تقف على شيء أو أحد، فالحياة لا تُعاش سوى مرة واحدة.

فاطمة محجوب

حاصلة على بكالوريوس إعلام القاهرة. مهتمة بالفن والأدب والتاريخ.
زر الذهاب إلى الأعلى