ثقافة وفنون

“فيلم الأرض”.. سينما تدافع عن العِرْض والموروث

استسقت السينما المصرية مادتها منذ البداية من الواقع المعاش، حيث حاولت السينما نقل صورة شبه واقعية عن حياة المصريين، مثل في فيلم الأرض ولعل ابتعاد زوايا السينما عن الحارة والريف، نابع من اعتقاد راسخ في ذهن صناع السينما في بدايتها بأن الجمهور يرفض رؤية مكان معيشته؛ فالعين تطمح لرؤية كل ما هو جديد ومتخفي عنها؛ لذلك نجد اقتصار عدسة السينما على تصوير حياة المترفين وما بها من نعيم وقصور وحدائق وأعناب، ودعم هذا الرأي أن غالبية زوار السينما آنذاك كانوا من الطبقة الوسطى، ممن جحدت عيناهم رؤية الحارة والقرية والريف على تلك الشاشة.

وتنفيذًا لرغبة هؤلاء ظلت السينما تسير على هذا التقليد حتى خرج فيلم “العزيمة” عن هذا المألوف؛ ليحتك بالواقع المعاش، وما به من قضايا تخص أهل الحارة، ويعد “العزيمة” هو أول فيلم يستمد رؤيته من الحياة الواقعية للسواد الأعظم للشعب، وقد ساهم هذا النجاح في فتح آفاقٍ جديدةٍ للسينما، حيث اتسعت الرؤية وتعددت الزوايا لتأتي بفيلم من أهم واقعيات السينما المصرية.

يأتي فيلم الأرض امتدادًا لفيلم العزيمة، ولكن باختلاف المكان والزمان، حيث التعرض لحياة البسطاء والمهمشين من أبناء الشعب، ويعد فيلم الأرض واحدًا من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية، الفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي كانت تحمل نفس اسم الفيلم، حيث صدرت هذه الرواية في عام 1954، وتم تحويل هذه الرواية إلى فيلم على يد المخرج يوسف شاهين عام 1970.

وقصة الفيلم مستوحاةٌ من أحداث حقيقة عاصرها الكاتب عبد الرحمن الشرقاوي في طفولته، وتعود أصل هذه القصة إلى قرية “رملة الأنجب” التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية مطلع عام 1933، عندما يفاجأ الفلاحون بقرارات حكومية عاصفة تعصف بمستقبلهم وبمستقبل أرضهم.

يبدأ الفيلم بمشهد عناق بين يد محمود المليجي “محمد أبو سويلم ” وبين الزرع، يتحسس زرعه بعناية وحب، صورة تظهر مدى ارتباط الفلاح بأرضه، فهذا المشهد استطاع التعبير عن مدى عمق العلاقة بين الفلاح وبين أرضه، تلك العلاقة التي لو أردنا التعبير عنها بالكلمات لأخذت منا صفحاتٍ تلو الصفحات.

من هذا المشهد تستطيع تنبؤ النهاية، وهي أن أي معتدٍ على الأرض هو بمثابة معتدٍ على “العِرْض”؛ فالفلاح جعل الأرض كعِرْضه وشرفه، فهي زوجته ابنته لن يسمح بأي مساسٍ لهن مادام به نفسٌ نابضٌ في تلك الحياة وتلك الأرض.

تتجول بعد ذلك الكاميرا لتنقل لنا مشاهد تلك الحياة الريفية البسيطة وما بها من نزاعات،  ما يدور بها من نقاشات حول مستقبلهم وماضيهم، وكيف يفرحون ومتى يحزنون، فعلى مدار النصف ساعة الأولى من الفيلم كانت الكاميرا بمثابة الناقل الأمين للحياة الريفية.

تعرض الكاميرا معاناة الريف من فقر الحياة وضيق اليد منتظرين الفرج والأمل بمحصول القطن، ومن هنا تبدأ نقطة الصراع والصدام، عندما تقرر الحكومة تخفيض حصة الري لتصبح خمسة أيامٍ بدلًا من عشرة، ومع تكاسل الخفير عن عمله أو نستطيع القول بأن الخفير قرر الثورة على هذا القرار عندما امتنع عن إبلاغ الفلاحين بالمدة الجديدة المحددة لري الأرض.

ينعم الفلاحون بالرّي على المدة القديمة، التي في الأساس لم تكن لتنال رضاهم؛ نظرًا لكثرة عدد الأراضي وقلة عدد الأيام المحددة للري، يصدم الفلاحون بقرار التخفيض إذ كانت عشرة أيام لا تكفي فما بالك إذا خُفضت لخمسة أيام!

يقرر أهالي القرية الاجتماع لمعرفة مصيرهم حيال تخفيض مدة الري، لكنهم لم يكونوا على قلب رجلٍ واحدٍ؛ فهناك الخانع والخاضع، ومن يحاول وضع ضعفه وقلة حيلته إلى الدعاء على الظلم مع الهدوء والسكينة والامتثال لأوامر الحكومة، لكن “عزت العلايلي” يقاطع الشيخ بأن الري لن يأتي إلا بالذراع وبوقوف أهل البلد على يد رجلٍ واحد!

وفي مقالي التالي سنكمل الحديث عن “فيلم الأرض” وكيف روت الأرض بدماء أبناءها.

يتبع..

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق