تكنولوجيا

فيروس كورونا : طبيعة التأثير المتوقع والملاحظ على الطاقة الكهربائية

في ضوء التدابير الوقائية التي تقوم بها مختلف البلدان لمواجهة تفشي فيروس كورونا وما ترتب عليها من تقليص كبير لمختلف النشاطات، فإن قطاع الطاقة الكهربائية وهو ركيزة أساسية، كان له نصيبه من التأثر المباشر وغير المباشر من جراء الإغلاقات التي رافقت تدابير العديد من البلدان، وفي هذا الملخص نسلط الضوء على طبيعة التأثير المتوقع والملاحظ على نظم الطاقة الكهربائية.

 إجمال التأثيرات في المحاور الأتية:

أولاً: الطلب على الطاقة الكهربائية وتجارة الكهرباء، حيث أنه وبالرغم من الارتفاع الملحوظ في الطلب على الطاقة الكهربائية المستهلكة في القطاع المنزلي، إلا أن الطلب على الطاقة في القطاعات الأخرى (التجاري، الصناعي.. إلخ) انخفض بشكل كبير، الأمر الذي فرض الانخفاض العام على طلب الطاقة الكهربائية بالمحصلة.

الرسم البياني التالي يبين نسب الانخفاض في الأسبوع الأول من تفشي الوباء في بعض البلدان مقارنة بالأسبوع نفسه من العام الماضي، وذلك وفقاً لما نشره معهد أبحاث الطاقة الكهربائية الأمريكي (EPRI) وموقع الشبكة الأوروبية لمشغّلي أنظمة نقل الكهرباء (ENTSOE).

فيروس كورونا : طبيعة التأثير المتوقع والملاحظ على نظم الطاقة الكهربائية.
فيروس كورونا : طبيعة التأثير المتوقع والملاحظ على نظم الطاقة الكهربائية.

موقع (The Conversation)  نشر تحليلًا للآثار على استهلاك الكهرباء في بريطانيا أكد فيه تشابه نمط الاستهلاك لأيام الأسبوع العادية مع أيام العطل، كما أكد على أن الاستهلاك خلال شهر مارس تشابه مع استهلاك نفس الشهر في عام 1975، وذلك يدل على هبوط كبير في الطلب على الطاقة، وغياب للقطاع الصناعي بالكامل من المساهمة في شكل منحنى الحمل الكهربائي.

وكالة رويتر أشارت إلى أن الطاقة المستهلكة في الصين انخفضت بمقدار 73 بليون كيلو واط/ ساعة، أي ما نسبته 1.5% من استهلاك الطاقة الصناعي في الصين.

وأحد أهم التبعات المتوقعة لانخفاض الطلب على الطاقة الكهربائية، هو تقليص حجم التبادل الكهربائي في الدول التي تعتمد على استيراد طاقة كهربائية لتغطيه جزء من احتياجاتها، وفقاً لوكالة ترك برس تركيا تعد مصدرًا كبيرًا لسوق الكهرباء الأوروبية، ويحتمل انخفاض صادراتها إلى حد كبير يستدعي إعادة دراسة سيناريوهات تجارة الطاقة، وذلك بهدف الوقوف على حجم التدفقات النقدية واستدامتها، والمحافظة على الهياكل المالية للشركات المنخرطة في سوق الكهرباء.

الاتجار في سوق الطاقة في الهند لم يتجاوز 4.3% من إجمالي التعاملات المدرجة للتداول، وذلك بحسب موقع FSR العالمي.

ثانياً: مشاريع تدعيم الشبكات الكهربائية، حيث أن الإغلاق الكلي والجزئي سوف يوقف أو يبطئ من إنجاز المشاريع التي تحتاجها الشبكة الكهربائية لتدعيم قدراتها المركبة، لنقل وتوزيع الطاقة من المصادر إلى نقاط الاستهلاك ومحطات توليد الكهرباء قيد الإنشاء.

ويعزى هذا التأخير إلى تقييد حركة الأيدي العاملة في هذه المشاريع، سواء من كادر الشركات أو من المقاولين الذين أحيلت عليهم عطاءات تنفيذ هذه المشاريع، الأمر الآخر الذي يساهم في تأخير إنجاز المشاريع هو التأخر في توريد المعدات التي سيتم تركيبها، وذلك من جراء الإغلاق في المصانع التي تنتج هذه المعدات، أو حركه الشحن الجوية أو البحرية أو البرية التي تنقل هذه المعدات من بلد المنشأ إلى مواقع تركيبها.

موقع تكنولوجيات الطاقة أظهر توجسًا شديدًا حول سلسلة التوريد العالمية (Global Supply chain)، ونفس المخاوف أبدتها الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA)، وتتركز تلك المخاوف في تباطؤ مرحلة الإنتاج والتأخير في اللوجستيات عموماً، وبدون شك فإن هناك أثارًا فنية وقانونية لتأخير إنجاز المشاريع، وخصوصًا المطلوب دخولها الخدمة قبل حلول موسم الأحمال الكهربائية المرتفعة.

بالمجمل تتأثر موثوقية تزويد الطاقة الكهربائية وجودة التزويد واقتصاديات تشغيل الأنظمة الكهربائية من جراء تأخير تسليم المشاريع في مواعيدها المحددة.

كما لوحظ امتداد أثر الإغلاقات إلى تباطؤ أو توقف أعمال الصيانات الدورية أو الطارئة لشبكات الكهرباء ومحطات التوليد الكهربائي القائمة، وذلك خصوصًا في الشركات التي لا تباشر كوادرها الصيانات بنفسها، وتعتمد على المقاولين العالميين ومصنعي المعدات المركبة في إصلاح وصيانة تلك المعدات، يتطلب هذا النوع من التعاقد جلب الخبراء من بلدانهم لتقييم الأعطال الفنية، ووضع برامج وإجراءات الصيانة اللازمة، الأمر الذي تأثر كثيرًا بإجراءات السفر عالميًا، كما أن الشركات التي لا تحتفظ بقطع الغيار في مستودعاتها الرئيسية، من المحتمل أن تعاني من تأخير تصنيع وتوريد قطع الغيار اللازمة لنفس الأسباب.

ثالثاً: تأثير كورونا على الطاقة الكهربائية وإستراتيجيات تشغيل الشبكات الكهربائية، حيث أنه على الرغم من انخفاض استهلاك الطاقة بشكل عام، إلا أن التأكد من استمرار تشغيل الشبكة الكهربائية، وضمان استمرارية التزويد الاقتصادي الأمثل للطاقة الكهربائية، هو التحدي الأبرز في قطاع الطاقة، حيث أن استقرارية النظام الكهربائي تتطلب التوازن المستمر بين التوليد والاستهلاك.

ويندرج تحت ذلك بأمرين أساسيين؛ أولهما اتخاذ كافة التدابير التي تضمن أن الأشخاص الذين يحافظون على تشغيل الشبكة بأمان وقادرون على مواصلة العمل، وذلك باتباع كافة التدابير الوقائية التي تمنع حدوث العدوى لأي من الأشخاص في مراكز التحكم الرئيسية والفرعية، وغرف تحكم محطات توليد الكهرباء، وفرق الدعم الفني التي تساند في إعداد منوال التشغيل اليومي وخطط التشغيل قصيرة الأمد.

فرنسا على سبيل المثال قبل كورونا كانت تشكل الطاقة النووية 70.6% من إجمالي إنتاج الطاقة الكهربائية فيها، ولا يخفى على أحد ضرورة أن تكون غرف تحكم محطات توليد الكهرباء النووية مأهولة طوال الوقت، مما أجبرهم وفق موقع مشغل الشبكة الفرنسية (RTE) على اتخاذ خطوات قصوى للحفاظ على الشبكة، تمثلت في إجراء الفحوصات الدورية للعاملين، والشروع في إعداد خطط مواجهة شاملة وطارئة.

شركه نيويورك المستقلة للأنظمة (NYISO) أعدت الترتيبات اللازمة لبقاء المشغلين في الموقع وفق موقع (inverse) الأمريكي.

الكثير من المشغلين العالميين اعتمدوا نظام العمل عن بعد لفرق الدعم الفني التي تساند مشغلي النظام الكهربائي، وباشروا إجراء تفعيل غرف تحكم الطوارئ والتحكم عن بعد، كما غلب على كافة الإجراءات تعديل برامج العمل اليومي “الشفت” والورديات التشغيلية والحجر المنزلي على العاملين العائدين من الإجازات، لما يزيد على فتره الحضانة للفيروس وأمد ظهور الأعراض، وفق موقع شركه شنايدر، تشغيل وصيانة المحطات النووية انحصر على ثلة قليلة من الخبراء والفنيين المتمرسين.

قدم معهد أبحاث الطاقة الكهربائية الأمريكي (EPRI) إرشادات مهمة، وذلك في ندوة على نطاق واسع، والكثير من المشغلين يعمل ضمن إطار هذه الإرشادات؛ مثل التتبع الدوري لحرارة العاملين، ورصد الأعراض، ومنع التفاعل المباشر، وإلغاء كافة الاجتماعات والندوات، وتخصيص أجهزة مستقلة لكل مشغل، والتنظيف والتعقيم المستمر لغرف التحكم، والكثير من الإرشادات يمكن الاطلاع عليها من موقع المعهد.

الأمر الثاني ضمان استقرارية الشبكات الكهربائية ومنعها في حال حدوث الأعطال الكهربائية، مثل الفصل المفاجئ للمولدات ومعدات الشبكة، حيث يتطلب ديمومة وتوافرية احتياطي دوار يتمثل في وحدات توليد بخارية وغازية جاهزة للتعويض المباشر للطاقة المفقودة.

الأمر اللافت هو ما يتوقعه بعض مشغلي الأنظمة الكهربائية التي تعتمد على نسب عالية من الطاقة المتجدد في خليط الطاقة الكلي، والذي تمثل في المحافظة على مستوى أمن من القصور “الممانعة Inertia”، وهو عامل أساسي في استقرارية النظم الكهربائية، والقصور مصدره الطاقة الحركية للمولدات الدوارة، وتكنولوجيات الطاقة المتجددة تفتقر إلى ذلك، مما يحد من نسب إدماجها في الشبكات العالمية.

الوكالة الدولية للطاقة (IEA) نبهت في مقالة مقتضبة على موقعها إلى ضرورة تعزيز مرونة الأنظمة الكهربائية (flexibility) في أوقات الأحمال المتدنية وقت الإغلاقات الراهنة؛ لأنها أكثر عرضة لفقد الاستقرارية، خصوصًا إذا اعتمدت على نسب عالية من الطاقة المتجددة، وشددت على أنه ولو توافرت تكنولوجيات تخزين، فإنه يجب تشغيل القدر الكافي من التوربينات البخارية والغازية.

في مقال نشر على موقع (greenbiz) بعنوان “كورونا فيروس: هبوط الطلب على الطاقة يهدد الطاقة النظيفة”، حيث أشار إلى أنه في بعض المناطق التي فيها نسب مشاركة عالية للطاقة المتجدد مثل كاليفورنيا وإسبانيا، حتى لو استمرت المصادر في هذا الوضع الجيد، فإن التحدي يكون في تشغيل الوحدات المهمة لاستقرارية النظام، مثل الغازية والمحطات النووية ذات أولوية التشغيل القصوى والمستمرة.

مشغل الشبكة الكهربائية البريطانية وفق موقع (The Energyst) شرع في دراسة سيناريو هبوط الحمل الكهربائي عن قمية الحمل الأدنى المسجل للعام الماضي، وما هي أفضل الطرق لمواجهة التحديات بوجود 14 جيجا واط طاقه شمسية موزعة.

وفي مقال نشر على موقعه بعنوان “كيف ندير الطلب المتدني على الكهرباء خلال إغلاق كورونا فيروس”، بين الإستراتيجيات التي ينوي اتباعها، وأبرزها الاعتماد على خطوط الربط الكهربائي ومزارع الرياح الكبيرة، لتأمين الاستجابة الفورية المطلوبة لتخفيف آثار فصولات المولدات الكهربائية، كما أشار إلى تكنولوجيات التخزين واعتماد إستراتيجيات جديد من خلال شراء القصور من أسواق الكهرباء.

بعض الدول سجلت هبوط مستويات التشغيل لبعض المولدات عن 10% من قدرتها الإسمية المركبة، ومع ذلك تستمر في الحفاظ عليها دوارة في النظام، وهو ما يتعارض مع بنود اتفاقيات شراء الطاقة.

وعلى الصعيد المحلي، الأردن ووفقًا لموقع أخبار الآن؛ شرعت في فصل محطات الطاقة الشمسية غير المدعومة في البلاد مع انخفاض الطلب على الطاقة.

 

قد يهمك ايضًا : العصر الرقمي.. كيف ستؤثر البيانات الرقمية على سلوكنا في المستقبل؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق