مدونات

فورست جامب: كائن لا تحتمل طيبته

فورست جامب طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، يعاني من اعوجاج في كلتا رجليه؛ ما يجعل من مشيه أمراً صعباً، ولهذا تأخذه أمه لطبيب محلي في ولاية ” ألاباما” الأمريكية ليحصل على تقويم يساعده على المشي.

وكحال معظم الأناس الطيبين ذوي الاحتياجات الخاصة، يتعرض الطفل فورست للاستبعاد الاجتماعي، ففي حافلة المدرسة يرفض الجميع السماح له بالجلوس، وحين يقرر البقاء واقفاً يسمع صوتا ملائكيًا يدعوه للجلوس، وليس هذا الملاك الذي ناداه سوى “جيني”؛ الفتاة التي تقطن بالجوار والتي ستصبح زوجته في النهاية، والتي تعيش هي الأخرى حياة بائسة لكون أبيها من النوع السيء، ولكون أمها فارقت الحياة منذ مدة ليست بالقصيرة، ورغم ما تعيشه الفتاة، إلا أن جيني طيبة للغاية تجعل من فورست المنبوذ صديقاً لها، ويقر فورست بأنها أفضل صديق عرفه.

ذات مرة وبينما الاثنان يتمشيان، يتعرض فورست جامب للرشق بالحجارة من طرف فتيان سيئين فلا يجد المسكين حيلة سوى الركض، ولكن كيف يركض برجلين كالتي يمتلك؟ لا يهم كيف المهم هو أنه ما إن تعرض للرشق حتى بدأ في الركض وزادت كلمات جيني “Run Forest Run” من عملية تدفق الأدرينالين في دمه؛ هذا ما كانت تصيح به جيني “Run Forest Run”، وهذا بالضبط ما كان يفعله فورست؛ كان يركض بأقصى سرعته، وهنا تحدث المعجزة.

تقول أم فورست إن المعجزات لا تتوقف، فهي تحدث دائمًا، والحقيقة أن ما حدث مع فورست لا يمكن أن يوصف إلا بكونه معجزة، فبعد أن استمر بالركض تحطم تقويم الأرجل الخاص به، وبدا وكأنه حصان بري يركض دون لجام ولا عنان، لقد كان الطفل يجري كالريح لا يوقفه أحد.

لقد أصبح فورست جامب بسبب سرعته أشهر طالب جامعي، وانضم للفريق الجامعة لكرة “القدم الأمريكية”، ثم أصبح بعد تخرجه من الجامعة جندياً، وذهب إلى الفيتنام، وهناك -وبسبب سرعته في الركض- أنقذ زملاءَه من الموت المحقق، وحين انتهت الحرب وشح الرئيس الأمريكي بوسام الشرف، وفي عودته للبلاد وسرعة يديه التي لا تختلف عن سرعة رجليه، انضم في ما بعد إلى فريق الوطني للعبة “البينغ-بونغ”، فكان من أوائل الأمريكيين الذين يزورون الصين الشعبية في أوج الحرب الباردة، وعند انتهاء فترة تجنيده يحقق حلم صديقه “بوبا” الذي مات في الحرب ويشتري قارباً للصيد، وتحدث معجزة أخرى (تحطم كل سفن الصيد في منطقته ما عدا قاربه)، فينتقل من مجرد صياد إلى مليونير يمتلك شركة خاصة بصيد وبيع “الجامبري”.

يعود من مغامرة الصيد ليلتقي بجيني ويتزوجان، ثم ينتهي الفيلم بموت جيني -بسبب مرض عضال- بعد أن رزقت منه بطفل تسميه هي على اسم والده “فورست”، هكذا إذن ينتهي فيلم يعتبر من أعظم الأفلام التي عرضت على شاشة السينما، فقد حصد ست جوائز “أوسكار”، وواحد من أفضل الأعمال التي قدمها الممثل الأمريكي “توم هانكس” والتي ونال بها الكثير من الثناء والمديح، وبالطبع جائزة الأوسكار كأفضل ممثل.

أين يمكننا أن نصنف هذه التحفة السينمائية وهذا الأداء المذهل؟ يمكن أن نصنف الفلم ضمن صنف “السير الذاتية”؛ فمعظم الأحداث التي تقع يسردها لنا توم هانكس وهو جالس ينتظر الحافلة رقم سبعة، ومن ثم يمكن أن نصنفه ضمن أفلام “التنمية البشرية”؛ ففورست الطفل الذي يعاني من إعاقة ومن نقص في الفهم والإدراك، يصبح أيقونة وطنية وليس لمرة واحدة بل لعدة مرات، ومن ثَم أين يمكننا أن نصنف كلمات أم فورست من قبيل “أنت مميز، لا تجعل أحدًا يخبرك بأنك سيء، الغبي هو من يتصرف كالغبي”؟ لا يمكن أن نصنفها إلا ضمن حقل التنمية البشرية، وخاصة وأن فورست يجعل من كلمات أمه شفرات يحل بها الصعوبات التي تواجهه دائمًا، هذا من جانب.

ومن جانب آخر ففورست يحب مساعدة الآخرين ويضحي بنفسه من أجل إنقاذهم، كما حدث معه حين كان في الفيتنام، فلولا شجاعته لماتت كل كتيبته، وهو حين نجحت شركته في صيد وبيع “الجامبري” والتي كان يتقاسم أسهمها مع الملازم الأول “داون”، والذي كان ضمن من أنقذهم فورست في الحرب؛ رأينا فورست جامب يتخلى عن نصيبه لأسرة صديقه الراحل “بوبا” لأن فكرة المركب فكرته وحلمه بالأساس، وفورست أراد أن يحقق حلم صديقه بوبا الذي لم تسعفه إصابته في الحرب في تحقيقه.

عاش فورست جامب حياته كلها هكذا، يقدم العون للآخرين ويضحي بنفسه من أجلهم، وفي الوقت الذي يستهزئ به الناس ويحتقرون ما يقوم به ويَعجبون من سذاجته؛ يسايره حظ غريب وعجيب، فحيثما وضع قدمه حلت السعادة، ومتى استشاره شخص إلا وكان التوفيق نصيبه، ولكن لا يفعل فورست هذا انطلاقاً من تعلمه أو خبرته التي واكبها عبر مراحل حياته، بل الأمر مجرد تصرفات فطرية لا تصنع فيها ولا رياء.

يقدم الفيلم الشخصية المثالية التي يجب أن يكون عليه الإنسان، والتي تطمح إليها كل كتب الفلسفة، فيحكى أن أعرابيًا نظر يومًا إلى مكتبة عامرة بالكتب فقال “أعرف ما تقول هذه الكتب؛ إنها تقول: أيها الإنسان كن طيبا”.

صدق الرجل فمعظم الفلاسفة والشعراء بحثوا عن إنسان يتفوق على إنسانيته؛ ذاك الإنسان “الفورستي” إن صح التعبير؛ الإنسان الذي يضحي بنفسه من أجل الآخرين، والذي يعيش حياته كلها يصنع سعادة الأصدقاء وأفراحهم؛ الإنسان الذي حين نكون في أمس الحاجة إليه نجده دائماً على أهبة الاستعداد؛ والإنسان الذي يقاتل الموت من أجل من يحبهم، ويعطي كل ما عنده من مال من أجل تحقيق حلم صديقه الميت، وينتقل من كونه مليونيرًا إلى شخص بسيط؛ لأنه وببساطة ينفق ما بحوزته من أموال على بناء الكنائس والمستشفيات؛ لا يمكننا سوى القول “هذا الإنسان الذي نريده؛ هذا الذي تفوق على إنسانيته”.

ولكن هل منا من يريد أن يصبح مثل فورست جامب؟ معظم من شاهدوا الفلم سيرفضون، لماذا؟ لعدة اعتبارات أعتقد أن أهمها كون فورست -كما قدمه الفيلم- “أبله”، وصانعوا الفيلم تعمدوا جعل فورست شخصاً “أبلهاً/ساذجاً”، فالذي يفعل ما يفعله فورست ويقدم ما يقدمه فورست من تضحيات في زمن الفردانية والحب المفرط للذات؛ لا يمكن إلا أن يوصف بالأبله.

هذا ما يحدث غالبًا وهذا يريده المجتمع لنا، فكل الذين يقدمون الآخرين على أنفسهم أناس سذج، والأذكياء هم من يستغلون الآخرين وينجحون على حسابهم، وهم من إذا بايعتهم غشوك وإذا صاحبتهم لم تسلم من أذيتهم ومكرهم، وهم حين يفعلون هذا إنما يردونه إلا أن الحياة وطبيعة الاقتصاد والواقع يفرض على المرء أن يصبح غشاشاً، فبائع السمك الذي لا يغش لا يكسب الكثير، والتاجر الذي لا يحلف كذباً لا يبيع وتكسد تجارته، وهكذا دواليك.

هذا المجتمع مريض للأسف، وإننا بأمس الحاجة -ودون أدنى شك- لإعادة الاعتبار لـ ” الإنسان الفروستي”؛ فهو ليس بالأبله ولا بالساذج وهو ليس خيال كاتب؛ بل هو ما يجب أن نكون عليه كلنا وهو بالضبط ما خلقنا الله من أجله، ولو أننا كنا جميعاً كفورست، أو على الأقل التقدير أضحى نصفنا كفورست، لتجاوزنا الكثير من الصعاب والمحن وبسهولة تامة، ولو كنا نفكر كما يفكر فورست لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، وخاصة وما يشهده العالم من انتشار للحروب من جهة والأوبئة مثل “كورونا” من جهة أخرى، فلو فكر ذاك الشخص الذي أحب أكل الخفافيش والثعابين وكل ما يتحرك أن فعله هذا سيؤدي حتما لظهور مثل هاته أوبئة، لأكل الطيب من الطعام أو اكتفى بالأرز أو الخضر، ولو فكر القادم من المنطقة الموبوءة أنه قد ينقل الفيروس للآخرين، ما وصلنا إلى هذا العدد المرتفع من الإصابات، ولو أن الناس التزمت بتعليمات الحجر الصحي ودخلت بيوتها وطبق الحجر على أتم وجه، لمر كل شيء بسلام، ولا وصلنا إلا مرحلة نقدم فيها الشاب على العجوز.

من حقنا أن نتسائل لماذا فورست يصبح أشهر شخصية في ولايته وفي أمريكا وفاق بشهرته أقرانه الذي كانوا يسخرون منه؟ لن نجد أي إجابة واضحة ما عدا كون الرجل قدم دائماً وأبداً مصلحة الاَخرين على مصلحته، فكان الله تعالى يعينه ويجازيه على ذلك، ويتدخل دائماً لإنقاذه بمعجزة لا تحدث إلا لإعانة الطيبين وعقاب السيئين، فالمعجزات تحدث دائماً كما كانت أمه تقول وهذا ما كان يؤمن به، فإيمانه بالله لم يتوقف حتى في أحلك الظروف وأعقدها، وحبه للآخرين لم يتأثر بمعاملتهم السيئة، وهكذا يجب أن يكون المرء، وهذا بالضبط ما كان عليه الرعيل الأول من الصحابة والذين رباهم الحبيب صلى الله عليه وسلم أشرف المخلقين.

وأخيراً نحن مخيرون بين ثلاثة؛ أن نكون مثل “فورست” طيبين نؤمن بالله ونقدم المساعدة للآخرين فنهنأ بحياتنا ونسعد بسعادة الناس، أو أن نكون مثل “فاوست” الألماني الذي تعاقد مع الشيطان ليحقق أحلامه وطموحاته ولم يبالي للاَخرين، فكان ما كان مما هو معروف، أو أن نكون مثل رجل ضعيف الحال لا قدرة له على مساعدة الناس، ولكنه قرر أن يعوض هذا بابتعاده طيلة حياته عن أذية الناس واحتقارهم.

ونختم بمقولة لرجل عرف معنى إسعاد الناس، يقول شارلي شابلن: “نريد مساعدة بعضنا لأن الإنسان يحب الحياة ومن حوله سعداء، لا تعساء”.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

علي الرباج

كاتب مغربي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق