أسلوب حياة

فوائد الألم

ربما ستجد العنوان غريبا و متناقضا فكيف يمكن للألم أن يكون له فوائد و نحن نبذل قصارى جهدنا للتخلص منه بالعلاج و الأدوية و المسكنات؟

سنتحدث هنا عن الفوائد التي يقدمها لنا الألم على طبق من ذهب دون إدراكنا لذلك و هذا لا يعني أننا نطالب بعدم معالجة الألم أو تسكينه فبمجرد إحساسك به ينتهي دوره و فائدته، كيف ذلك؟

تخيل معي ماذا لوكنا لا نشعر بالألم أبدا ولا نعرفه أصلا ؟ ماذا سيحدث؟ ربما ستقول في نفسك ياليت ذلك ممكنا، لكني سأقول لك أن حصول ذلك سيكون كارثة على البشرية.

مثلا تعرض شخص لحادث بسيط تسبب له بنزيف داخلي قد يودي بحياته لكنه لم يشعر بالألم لعدم وجود شيء يدعى الألم و بالتالي لن يذهب إلى المستشفى لأنه لم يشعر بدافع يحفزه للذهاب فهو لا يتألم و ليس منزعجا من شيء رغم أن كارثة تحصل داخل جسده إذن سيبقى على تلك الحالة إلى أن يتفاقم النزيف و يفقد حياته دون معرفة السبب.

و في حالة ثانية ربما سيذهب لزيارة الطبيب تحسبا ووقاية من حدوث ضرر لا يشعر به، فلن يستطيع الطبيب سؤاله أين تشعر بالألم و لن يتمكن من فحص و معالجة موضع الألم فقط بل سيتوه في تحديد مكان الإصابة و سيقوم بفحص كامل الجسد و يصعب عليه التركيز على العلة إلى أن يفوت الأوان لعدم وجود أعراض و إشارات.

إذن على عكس ما كنا نعتقد، الألم ليس عدوا لنا بل هو صديق يقسو علينا بشدة لإنقاذنا و تنبيهنا و حمايتنا من الخطر المحدق بنا، فلولاه لما عرفت الإنسانية معنى الإسعاف و لا العلاج و لا الطب و تخصصاته و كلياته و مستشفياته أصلا و لا علم الصيدلة و الأدوية و لكانت أرواحنا تحصد في صمت لأبسط الحوادث، فهو سبب بلوغ العلم ذروته و سبب تطور الأبحاث التي تهدف جميعها للتخلص منه و علاجه. يوجد أيضا بعض الأمراض الصامتة كالسرطان الذي يتفاقم بلا ألم إلى أن يقود صاحبه للهلاك لذلك يلعنه الجميع و يخشاه فنحن ندرك فائدته دون وعي منا.

للألم أيضا فوائد نفسية و اجتماعية و دينية و إنسانية، فهو الذي يربطنا بالحياة فالميت لا يشعر و هو الذي يخزنا و يحرك ضميرنا و مشاعرنا، فلن تحسن ليتيم إذا لم تتألم لحاله و لن تعود مريضا و لن تساعد فقيرا ولن يتم التبرع بالدم لإنقاذ الأرواح و لا بذل مجهود لإطعام مساكين إذا كنت متبلد المشاعر، فالألم هو منبع المشاعرو الرحمة لأن من يشعر به ترهف أحاسيسه و يرق قلبه و يصبح إنسانا رحيما محبا للخير، مثلا لن تجد قلبا أكثر رحمة و حبا من قلب الأم تجاه إبنها رغم أنها تعرضت لثاني أعلى درجات الألم عند ولادته فلم يجعلها ذلك تقسو عليه بل رقّق قلبها و وهب روحها شفافية و عطاء لا مثيل له تجاه أبنائها.

تستنتج إذن أن الألم نعمة وهبها الله لنا و ليس نقمة كما نظن، نعمة تحمينا من كل الشرور الجسدية و النفسية ، نعمة تدوم فاعليتها حتى الآخرة لتقينا من العقاب الإلهي و تدعونا إلى تجنب الآثام فبعد القيام بذنب أو معصية نشعر بألم الضمير فنشعر بالندم على ذلك و نتقرب من الله أكثر طلبا للمغفرة و إعلانا للتوبة فبفضله و بفضل الله نقوم بغسل أرواحنا و ترويض نفوسنا باستمرار حتى تسمو عن الرذيلة و الشرور و إذا بعثرنا حروفه قليلا سيتحول الألم إلى أمل و هذا ما هو عليه فعلا.

تيسير بن سلامة

كاتبة تونسية متحصلة على اجازة اساسية في علوم الحاسوب و ماجستير في التصرف

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى