ثقافة وفنون

كل ما يخص فن كتابة المقال.. كيف يكون وما هي أساسياته وشروطه؟

عند كتابة المقال يكون هناك فكرة يتأثر بها الكاتب فيصيغها بأسلوب أدبي، وهو تعبير وجداني صرف ينقل فيه الأديب إحساسه إلى المتلقي، فينفعل بانفعاله.

والكاتب ليكون كاتبًا فلا بد له من موهبة الكتابة قبل كل شيء، إذ الكتابة كغيرها من المواهب كالشعر والغناء والتأليف والتلحين، فإذا لم يكن للمرء قدرة على صياغة معانيه في ثوب لفظي رصين أو سلس، فهو ليس من أهل الموهبة.

وبشر بن المعتمر المتوفى سنة 210 من الهجرة حين وضع أسس الكتابة، فرق بين الكاتب الذي لا تواتيه الفكرة، وبين الكاتب الذي لا تواتيه الموهبة، فالأول يحتاج إلى الوقت حتى تعود إليه الروح، والثاني يحتاج إلى البحث عن عمل آخر.

إن كتابة المقال ليست سرداً لفكرة معينة بأي أسلوب كان وبأي لفظ كان، بل هو في المقام الأول يجب أن يسلب لب وعقل قارئه، فيجعله يقبل عليه بنهم وتشوق حتى يأتي عليه كله، بل ويعيد قراءته الفينة بعد الفينة متمتعًا بأسلوبه العالي.

كما أن المقال لا يعرف ذلك الجمود العاطفي الذي يجعل الكاتب منطقيًا جافاً كأنما يقذف القارئ بأحجاره الصماء، وإنما المقال انفعال وجداني مثله مثل القصيدة الشجية التي تحتاج إلى ألحان ندية، تشجي القلب وتطرب الآذان.

فلا بد للمقال من أن يكون تعبيرًا عن اتجاه الكاتب الأدبي من ناحية، ومن ناحية أخرى يكون تعبيرًا عن نفسيته، فالعقلاني غير العاطفي، والذي يعنى بالصياغة اللفظية غير الذي يعني بالمعاني والعقلانيات، وكلها مدارس ولكل منها طريقها.

والمقال لا يعرف تلك المنهجية في الكتابة، فليس له قانون معين يجب التزامه، بل هو انفعال ذاتي يخرجه الكاتب حيث خرجت منه الفكرة في ثوب من الكلام، فلا يؤخر ولا يقدم، بل فقط يقدم ما يجد، وهذا ما أميل إلى تصويبه.

والمقال قديم قدم الكتابة العربية معروف بالوسم قبل الاسم منذ زمن عبد الحميد الكاتب وابن المقفع، وأما المصطلح فجديد، وهؤلاء وغيرهم ممن وضعوا أسس الكتابة وفنون البلاغة، لكل منهم أسلوبه وطريقته في التعبير والصياغة.

والكتاب منهم من يهتم بالصياغة واللفظ أكثر من عنايته بالمعنى، فيحور اللفظ ويزيد فيه ويعيد، قصدًا إلى الإمتاع، ومنهم من يميل الإمتاع باللفظ الموسيقي العذب، فيعمد إلى الألفاظ ذات الوقع الرنان المطرب، ومنهم من يميل إلى الإقناع بلفظ رصين فخيم، ومنهم من يميل إلى الألفاظ البسيطة ذات المعاني السهلة القريبة، ومعظم الكتاب العظام كبشر والجاحظ والجرجاني والمنفلوطي والرافعي والعقاد وطه حسين ينتمون إلى بعض هذه المدارس فهم مؤسسوها.

والمقال منه ما يقبل أسلوب المبالغات والاستعارات والتشبيهات، ليعظم اللفظ والمعنى، وذلك كالموضوعات العامة التي فيها حث على الفضائل، أو نشر ثقافة عامة أو الهجوم على ثقافة معينة.

ومن المقالات ما لا يقبل المبالغات بحال، فالمقالات العلمية أو التاريخية أو السياسية او الاقتصادية التي تعنى بشئون المال، هذه تفسدها المبالغات، فهي فقط تحتاج إلى أسلوب رصين ولفظ قريب، يقرب المعنى من غير المتخصص، وبينما هو يستعمل المعنى القريب فهو أيضًا يستعمل الأسلوب الأخاذ.

وتقوم كتابة المقال كله كما قلت على الموهبة ثم الموهبة، ثم على الأسلوب الذي يتناسب مع الانفعال والمقام، ثم المعنى يأتي آخرًا، فالمعاني لا تقدم على الألفاظ إذا كان الكاتب يريد قارئاً لنتاجه، وإلا فما قيمة المعنى إذا أتى في ثوب عويص مليل غريب على السمع بعيد عن الفهم.

وعلى الكاتب أن يبتعد عن التكلف في طلب اللفظ، فمثل المتكلف هنا كمثل صاحب الصوت النشاذ إذا غنى، سيثير اشمئزاز سامعيه فقط، وعليه ألا يتكلف السجع فهو الذي يطلب نفسه ويأتي حتى يقف حيث أراد، وبالجملة فالأسلوب والمعنى والإحساس والوجدان هذه أشياء لا تأتي قصراً، بل تأتي طواعية حيث شاءت ووقتما أرادت.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر عضو المركز الإسلامي المصري بتزانيا أؤمن أن لشريعتنا الإسلامية فلسفة لا بد أن تدرك نقدم رؤية لا أكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق