ثقافة وفنون

“فن النقد والناقد”.. من وحي فيلسوف إيطالي

النقد هو إعطاء الأشياء معانيها التي تنم عنها، وأسماءها التي تدل عليها، ولولا هذا النوع من الفنون في عالمنا، ما كان لنا من سبيل لنصف الذي يحدث من حولنا، لأنه ببساطة لن يكون سوى (الذي يحدث)، ما لم توجد الصور الروحية الضرورية للتعبير عنه، أو بالأحرى لن يكون هناك ما يحدث البتة، إذ إن افتراضات من هذا القبيل ستكون محض ابتذال بلا فائدة.

ولكنَّ المرء بإمكانه أن يفكر فيما يحتمل وقوعه، أو بالأحرى أن يلاحظ ما هو بصدد الحدوث، حين توجد العقولُ شاردة، والنقدُ يمارس وظيفته على هون، أو ليس له أسلوب يعتنقه بحرية، وقتئذ سيبقى طيب الأشياء بلا مدح، ولا إشادة أو تعريف بجوهره ومكنونه، وسيبقى خَمُّها دون إدانةٍ لقبحه، وسيُترَع هيكل الشعر بما أسميه (الشَرَّاؤون والمشترون)، ولن يطهره من ذلك أحد.

النفوس ستسمع الحسن والذميم، وستعاني من كليهما، تمامًا مثلما يحس أحدنا الخير والشر، العدل والجور، ولكن معانيهم تفتقد العقوبة الأخلاقية والقانونية للآراء والأحكام.

الوعي الجمالي، كمثل الوعي الأخلاقي، غير مسلحين، ولا يمكنهما الكفاح، إلا فن النقد فهو مسلحٌ ومناضلٌ، تعد حركات التذوق والاشمئزاز -كونها نابضة بالحياة- قديرة على تأدية كلٍ دون ذاك الصنيع الفريد الذي يؤديه الرأي، والذي هو ببساطة (إعطاء الأشياء معانيها)، كما أنها من المقدرة بمكان لأن تفتح الباب أمام كيفية التصرف تجاه تلك الأشياء.

قد يكون إعطاء الأشياء معانيها هو نتاج نهائي لعمل كادح -وكذلك هو- وكان النقد الأدبي بالفعل موجودًا عند الأقدمين أيضًا بوجود ناقدهم الفطحل -مؤلف كتاب (السامي) أو Sublime- المجهول الهوية، وهو -أي النقد الأدبي- يقدِّر أن يمر النقاد بمرحلة تهيئة وإعداد لغوي؛ لكونها ضرورة بقدر فتور مَرِّها ومضنَّتها، وبعدئذ يمكن للشعر -الذي نظمته الروح المستبصرة بحبور ومسرة- أن يُشرح ويفسر، هذا إما يكونَنْ بالفعل موجوداً، وإلا فيكون خَلْطًا وركاكة -لا تتصف بصفة الشعر- تحبط الناقد، وتثير حفيظته بدمامة النظم، وقبح التكوين. 

وبهذا فإن الناقد لن يشرع في نقد القصيدة التي هو بصددها دون الحس الذي يوسَر في نفسه، ناهيك عن معيبة هذا النقد وافتقاره للصوبانية والكمال؛ لفقده المادة التي يمارس عليها هذا النقد في أصله، إن لم يحس صاحبه القصيدة، ثم تتملكه معانيها.

وستجدون نقادًا ذوي ذوق محدود، وآخرين واسعي الأفق متنوعي الأذواق -على أن ذاك لا يعني بالضرورة أن يكون النوع الأخير متعهدًا بتذوق الأشعار كلها جميعًا، ولا كل قصيدة في مختلف الأزمان-، وسيوجد أولئك الموهوبون بالحس ولكنهم -بنسبة ما- سيكونون في النقد بالكاد موهوبين، وليس بجائز -مهما تيسر- رأيٌ من غير بنية الحس.

وعلى الناقد -في مخيلته التي ترسمها له القصيدة بالتمعن فيها واستحضار صورها في الذهن- أن يقرأ العقل على أنه الشاهد الأوحد الذي يعينه على التحقيق والتدقيق في بيت القصيد، والوحيد كذلك في تقديم العناصر المعينة على حكمه، حتى إنه لا يعوضه من شيء إن هو أفلته، تمامًا كمثل صوت الضمير الأخلاقي، الذي هو القادر الوحيد على أن يوجِّه صاحبه بحجة وثبوت، والذي من الضروري أن يظل متيقظًا ونشيطًا دون تفويت أو إضاعة كلمة منه، ولا لهجة له، أو تركهن تَشَتَّتْنَ.

وهكذا تتكالب الإغراءات والمزالق من كل صوب -كما لم تك لتنتبذ عن الضمير الأخلاقي-، وتتمكن -بالتالي- من إمساك صوت الذوق الأدبي، والأسلوب الرفيع كليهما عن الحكم، كما أفاد موليير في كتابه (نقد مدرسة المرأة).

على الناقد أن يكون عالمًا بالنفس الإنسانية

ينبغي للناقد أن يتحلى بروح الفيلسوف، لا صاحب الفضيلة؛ فيتسنى له استبصار الذات الإنسانية بفوارقها وتعارضاتها، وليس بالضرورة فيلسوفًا لكونه يضع مفاهيمه في قالب الأحكام الفلسفية، أو العلمية، أو السياسية، أو الأخلاقية، وكل نوع آخر من الأحكام، وإنما لأن يرتب الجوهر الرئيسي لتلك الأحكام المُصْدَرة، بحيث تصبحنَ في فئات وأنواع، طبقًا لخلجات النفس وسلوكها، وهكذا يُتَعرَّفُ إليه اصطلاحًا كعالمِ نفس. 

وإنك لكي تعطي قصيدةً خصائصها وتقوم بتوصيفها، يلزمك -بدءً- تحديدُ محتواها، أو دافعَها الأساسي، مع الإشارة إليه بصنف أو نوع سيكولوجي معين، هما الأقرب إلى هذا المحتوى، وفي ذلك ينفق الناقد جل طاقاته الذهنية مبرهنًا على براعته وإبداعه.

وفي خضم هذا النصب والعناء الذي يتكبده الناقد، قد يدركه السرور فقط عندما يفلح أخيرًا -بعد المطالعة والتمحيص والتدقيق- في تعريف هذا المحتوى، قابضًا على سمته الرئيسية، بالصيغة التي تُبِيْنُ ما تمت حوايتُه من مكنون القصيد، وتحصره في الفئة الأقرب، التي هو بها خبير، أو ربما توصل إليها بحكم المصادفة.

ولكن ذاك الصنف المختار لن يبرحَ -حتماً- مفهومًا عاماً، في حين تظل القصيدة ذاتية -على النقيض- لتعبر عن مفهوم (النهائية/اللانهائية)، و(الفردية/الشمولية)؛ ومن ثَم لا تترادف القصيدة مع صِنفها -الذي يستميل المرءَ إليها- وتظل أبدًا بين كليهما مسافة ٌسحيقة.

وإمَّا نأتِ على مناظرة القصيدة بصيغة توصيفها، تلُح الأخيرةُ لنا دائما في صلابة وجمود؛ ومن ثم يتملك الناقدَ -من بعد الرضا اللحظي- السخطُ والاستياء حيال الصِيًغ النقدية الأكثر بلاغة -حتى خواصنا نحن- التي تتأتى خلاصةَ الضغط الذهني العميق، وفيضٍ من الكياسة والفطنة، والهوس المُوْسِر بالدقة والبراعة.


هذه الكلمات من وحي الفيلسوف الإيطالي، والناقد، والمؤرخ، بينيديتّو كروتشي (1866-1952)، الذي عاش مرحلة المثالية الفلسفية في مطلع القرن العشرين، وانشغل كثيرًا بخطوب علم الجمال والتعبير، وقد نقلتها لكم من الإيطالية، بلفظه، وتعبيره.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد محمود القاضي

كاتب ومترجم، حائز ليسانس الألسن جامعة عين شمس، تتمحور كتاباته في مجالات الأدب السردي، وقضايا الفكر النقدي والفلسفي؛ باحث في مجالات اللغة، والدين الإسلامي، ومطالع لحقول التاريخ والآداب الإنجليزية والإيطالية، والسيكولوجيا، ومقارنة الأديان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق