مدونات

فن البلاغة و عِلمُها

جاء في مختار الصحاح للإمام الرازي في باب الباء ( بلَغَ المكانَ وصل إليه و كذا إذا شارف عليه ومنه قوله تعالى [فإذا بلغنَ أجلَهنّ] أي قاربنه

وبلغ الغلام أدرك. والإبلاغ والتبليغ الإيصال والاسم منه البلاغ .والبلاغ أيضًا الكفاية والبلاغة الفصاحة و بلُغَ الرجل صار بليغًا) البلاغة “فن البلاغة” من جهة الاكتساب هي علمٌ ومن جهة المَلَكَة والقريحة والطبع هي فنٌّ والبلاغةُ فنًّا و علمًا متفاوتةُ المراتب عند أهلها وأعني بالمرتبة المقدار الذي وصل إليه البليغ من ترجمة مكنونات النفس. والنفسُ الإنسانية بطبيعتها ذاتُ مكنونات لمّا تهتدِ إلى أقاصيها قرائحُ البُلَغاء. الحياةُ نَشرٌ وطَيٌّ منشورةٌ في الآفاق. ومطويّةٌ في النفوس والنفس مرآة صافية عندما يتجلى بها الفكر لأن (الفكر مرآة صافية) كما يقول الإمام علي (ع)

النفسُ مجموعُ الأفكار والرؤى والأحلام والأحاسيس والعواطف. وبذلك تكون مهمة البليغ ليس فقط نقل هذا المجموع إلى الناس ببراعة لغوية مُبينة بل تنقيته وغربلته وتمحيصه وهنا تتدخل العبقرية الفكرية الروحية الباطنة. فبقدر ما تفهم هذه العبقريةُ مكنوناتِ النفس وتسمح للمَلَكة اللغوية بترجمة مُنتَقَياتها الصافية تكون البلاغة قد آتت أكُلَها وحققت غايتها.

لكن أصحاب الأقلام في الغالب الأعمّ تفتنهم مظاهر الحياة ولا يتجاوزون قشور العادات والتقاليد والأعراف . وهنا تفقد قوّةُ البيان جلالَها إذ تنهمك في توصيل تلك المظاهر والقشور

وعندما نقول مظاهر وقشور يعني أنّ ثمة بواطنَ ولُبابًا. فما هي تلك البواطن وذاك اللباب؟

أقول هي الأحاسيس التي يشترك بها كل الناس بالفطرة

هي الحياة العميقة التي تحياها كل نفس إنسانية أزلاً وأبداً

هي الأفكار التي تدور في وعي النفس و لاوعيها بصفتها نسمةً من روح الله منسلخةً عن انتماءاتها التي فرضتها المجتمعات البشرية

هي النزعة الإنسانية المتجذرة التي تُحفِّز الهِممَ للبحث عن السعادة والسلام والرضا

البلغاء العباقرة الملهمون الذين خلّدهم الزمان أو طواهم الكتمان كانوا يتكلمون من هذا المقام

لذلك لم تفقد كلماتهم قيمتها مع مرور الزمن

ونحن عندما نقرأ هؤلاء إنما نستطلع مُخبَّآتِ نفوسنا وعقولنا . لذلك تثبت نصوصهم وتبقى متجددة ما مرّ الزمان وكأنها هي التي عناها الشاعر بقوله :

إذا رُدِّدَت زادت قَبولاً كأنها

أحاديثُ نجدٍ لاتُمَلُّ بِتكرارِ

وقد قلتُ فيما مضى شعراً :

إنَّ فَـنَّ الــكــلامِ مــستَــوَيــاتٌ

يـنـتـقـي مـنـهُ ذَوْقــُنـا مـا اسـْتـَسَـاغَـهْ

رُبَّ حِــبـْرٍ عَــلَّامـةٍ عــبـقــريٍّ

نـاهــجٍ فـي الـكــلامِ نَـهْـجَ بَــلاغَــهْ

ظـهَـرَ الـضـعـفُ فــي مـقـالـتِـهِ البـكـرِ

قــيـاساً أو فــكــرةً أو صــِيـاغَــهْ

ليـس مـعنـى الـعلـم الـخـطـيبَ الـفـصـيحَ

الـطَّـلْـقَ يَـسْتـمـطِـرُ الـلـسـانُ دِمـاغَـهْ

إنـمـا الـعـلـم وهـجُ روحِ انـتـبــاهٍ

مُــسـْتَشِـفٍّ ألــوانَــهُ وصــِبـاغَــهْ

إنَّ مـعـنـىً وَعَـيـْتـَهُ عـن حـكـيـمٍ

كـانَ نـقـصـاً فـي الـنـفـسِ تـبـكـي فَـراغَـهْ

ربَّ قــولٍ رآهُ صـاحبـُهُ حُـلـواً

لــذيــذاً وقــد كَــرِهْــنــا رَواغَــهْ

كـالـذي يـمـضَـغُ الـطـعـامَ عـلـى مَـشْـهَـدِ

طـاوٍ لا يَـسْـتـَلـِذُّ مُـضـاغَــهْ

فَـطِـنَ الـذوقُ أنَّ لـلأحـرف الـزُّهْــرِ

كــمــا لــلــجـواهــرِ الـيُـتْــمِ صَـاغَــهْ

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى