مدونات

فلسفة الحزن

الحزن هو حجرة ذات أربعة جدران صماء بلا نوافذ أو أبواب نختبيء فيها من العالم حين يتملكنا الشعور بالعجز، ولكن للأسف غالبا ما تكون هذه الجدران زجاجية، فيطل العالم منها علينا ويشاهد كل ما كنا نريد إخفاءه عنه.
لو أن لي أن أضع تعريفا موجزا للحزن لقلت:
“إن الحزن هو تلك الحالة التي تنتابنا حين يحدث لنا عكس ما نريد”.
أشياء كنا نتمنى حدوثها لا تحدث فنحزن، وأشياء لم نكن نتمنى حدوثها تحدث فنحزن.
الحزن هو اعترافنا أمام العالم بأننا لا يمكننا تسيير حياتنا وفقما نريد، ومعرفة أن دفة حياتنا ليست بيدنا، ولنلاحظ هنا أننا نتحدث عن حياتنا نحن، نحن لا نتحدث عن رغبتنا في تغيير ما لا نملك، بل نتحدث عن رغبتنا في تغيير حياتنا، التي نتوهم أننا نملكها.
إذا هل يقودنا هذا مباشرة إلى حقيقة أننا لا نملك حياتنا؟ وأن العالم قادرا دوما على قهرنا؟ وعلى إجبارنا على تغيير خططنا بإستمرار؟ أو التأقلم، وهذا الأخير لعنة كبيرة.
يقول فيكتور هوجو:
“إن الأرواح القويّة، تعزل في بعض الأوقات تحت بعض ضربات البؤس، ولليأس درجاته التصاعدية، فمن الإنهاك يصعد المرء إلى الانهيار، ومن الانهيار إلى الحزن العميق، و من الحزن العميق إلى الضعف، الضعف الذي يذوب فيه الألم في فرحة قاتمة”
أتدرون لما وصف هوجو الوصول إلى الضعف بالفرحة القاتمة؟
لأن الضعفاء لا يحملون الفأس ولا يضربون الصخرة ضربة أخرى عل الماء ينفجر من تحتها، الضعفاء يعلنون هزيمتهم واستسلامهم ويتقبلون حقيقة أنهم لم يخلقوا لحمل الفأس، الضعفاء يتوقفون عن المحاولة، ألا يحقق هذا جزء من السعادة بداخلهم؟ سعادة تقبل حقيقتهم كما هي؟ أنهم ضعفاء، حتى وإن كانت هذه السعادة قاتمة؟ ولنلاحظ هنا أيضا أن هوجو قد تحدث في كل ذلك عما يحدث “للأرواح القوية” “في بعض الوقت”، فماذا عما يحدث للأرواح الضعيفة كل الوقت؟
إنه ما دعاه هوجو فيما بعد بالتلاشي، أن تمر الأحداث كلها عليك فلا يعود هناك ما يسعدك أو يحزنك، كأنك لست موجودا.
تقول الكاتبة الأمريكية ميليسا برودر التي أحترفت الكتابة عن حزنها وعن إظهار الجوانب القاتمة بداخلها:
“الاستيقاظ اليوم خيَّب أملي”.
أكاد أراهن أني لو مررت هذه الجملة على عشرة أشخاص لأقسم ثمانية منهم أن هذه الجملة مثلتهم يوما ما، ولأنكر الاثنان الباقيان ذلك، أحدهما لأنه قوي لا يعرف غير المقاومة، والأخر لأنه غبي لم يدرك ذلك.
الغباء نعمة عظيمة تمنع أصحابها في أحيان كثيرة من رؤية حقيقة أنهم تعساء بائسون.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق